المدرسة العمرية في دمشق تاريخٌ زاهر وواقعٌ مرير
آخر تحديث GMT21:23:42
 السعودية اليوم -

المدرسة العمرية" في دمشق تاريخٌ زاهر وواقعٌ مرير

 السعودية اليوم -

 السعودية اليوم - المدرسة العمرية" في دمشق تاريخٌ زاهر وواقعٌ مرير

المدرسة العمرية
دمشق - العرب اليوم

المدرسة مؤسسة شاملة يتلقى فيها الناشئة التربية والتوجيه والتعليم في المجالات كافة، يحدِّد المجتمع أهدافها ومعالمها، وترمي إلى إكساب الطالب كماً من المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم، وتطوَّرت بمرور الزمن حتى باتت اليوم نظاماً متكاملاً يضمُّ مجموعة من العناصر المادية، كالبناء المدرسي والتجهيزات والتقنيات اللازمة وغيرها، والعناصر البشرية كالطلبة والمعلمين والإداريين. هذا المفهوم العام للمدرسة كان موجوداً في الحضارة العربية الإسلامية، ولكنه كان من مهام المساجد وبيوت العلماء، التي انتشرت في كلِّ الأصقاع والبلدان ومنها دمشق، التي يحفل تاريخها بظهور عشرات المدارس، ومنها المدرسة العمرية التي أستعرض تاريخها في هذه المقالة، وصولاً إلى وضعها الراهن، راجياً أن يتذكر كرام القارئات والقراء ما نسوه، وأن يتعرفوا على ما لا يعرفونه.

في سنة 551 هـ، 1157 م وصلت أول قافلة مهاجرة من بيت المقدس إلى دمشق، هرباً من جور الفرنجة وحكمهم، يرأسها كبير قرية جمَّاعيل وفقيهها الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي، ثم تتابعت هجراتهم، وبلغ عددهم المئات، نزلوا قرب دمشق أولاً في موقعٍ غير صحي، ومات عددٌ منهم، فانتقلوا إلى سفح جبل قاسيون غير بعيدٍ من مدينة دمشق على مقربةٍ من نهر يزيد، وبنوا لهم داراً ضمت عدداً كبيراً من الحجرات دعيت بـ: «دير الحنابلة»، ثم شرعوا في بناء أول مدرسةٍ في الجبل عُرِفت بـ: «المدرسة العمرية»، وتتابع البناء حولها، وساعد في ذلك السلطان الصالح نور الدين محمود بن زنكي، ثم الملوك الأيوبيون من بعده وخواتينهم (زوجاتهم)، فبنوا عدة مدارس ومساجد، وانقلب الجبل إلى ضاحيةٍ مزدهرة بالعلم والعمران، ناضرةٌ بالقصور والأشجار والأزهار، ودعيت بـ: «الصالحية» نسبة لأولئك المقادسة الذين عرفوا لعلمهم وتقواهم بالصالحين.

تقع المدرسة العمرية على سفح جبل قاسيون، في وسط حيِّ الصالحية شمال غرب مدينة دمشق، وتبعد عن مركزها نحو أربعة كيلومترات، بين مسجدي «الشيخ محيي الدين ابن عربي» و«الشيخ عبد الغني النابلسي»، في منعطفٍ ضيِّق يسمَّى دخلة العمرية، عند الموقف الأخير لحافلات خط مواصلات (شيخ- ميدان). وكما عُرِفت بـ: «العمرية» نسبةً إلى أبي عمر، فقد قيل عنها إنها: «المدرسة الشيخية» نسبةً إلى شيخ الإسلام أبي عمر، وهي أيضاً المدرسة الشيخة لأنَّها شيخة المدارس.

أنشأ المدرسة العمرية عام 557 هـ، 1162 م الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن المقدسي الصالحي، (528 – 607 هـ، 1134 – 1211 م)، ونُسبت إليه، دُرِّسَ فيها القرآن والفقه، وتوالى عليها عددٌ كبيرٌ من المدرسين والخطباء، وفضلها لا يمكن حصره، وما ذُكِرَ من وصفها وفضائلها وبركتها وبركة النازلين فيها لا يفي بحقها، ففيها تخرَّج الآلاف من الفقهاء والقراء والمحدِّثين، وضمَّت في غرفها نحو ألف طالبٍ في وقتٍ واحد، وكان مدرسوها وشيوخها من أعاظم الشيوخ، وما من حنبلي في دمشق أو فلسطين إلا وأخذ منها علماً وافراً، حتى كانت الرحلة إليها من الأقطار الإسلامية شرقاً وغرباً مما يتنافس فيه المتنافسون، وفيها كانت حلقات العلم بكلِّ جانبٍ من جنباتها، وفيها أُلِّفَت المؤلفات الكثيرة والكبيرة، ثم انتشرت في العالم الإسلامي. وإذا كان واقفها أراد لها أن تكون خاصة لتعليم القرآن، والفقه الحنبلي، ومضت كذلك أكثر من قرنين على هذا النهج، إلا أنها صارت بعد ذلك جامعةً لكلِّ المذاهب الأربعة.

وهي المدرسة الجامعة لكلِّ التخصصات في العلوم الإسلامية والعربية، فيها يتدرَّج الطالب المبتدئ في تلقي العلوم حتى يصل إلى مرتبة الشيوخ الكبار، وفيها قسمٌ لتعليم المكفوفين، وقسمٌ لعامة الناس لتعليمهم قراءة القرآن وتلاوته، وكانت تلاوة القرآن مستمرة فيها ليل نهار من دون انقطاع. وقد أوقف المحسنون الأوقاف اللازمة لها، لكي تفي بمتطلبات مناهجها في التعليم، وكانت من الكثرة بحيث لا يمكن حصرها ولا طرائق صرفها، ولم تكن تخلو سنة إلا ويحدث فيها وقفٌ جديد لتحقيق غايةٍ علمية معينة، فهي أشبه بجامعة تضمُّ كلياتٍ عدة لمختلف فئات الطلبة وطبقاتهم ومستوياتهم. وكان الطالب لا يُقبل فيها إلا إذا تمتع بالسلوك الحسن والأدب والتقوى، ومن أموال الوقف كان يُخصَّص له متطلبات معيشته ودراسته. وكان لها مكتبة خاصة عامرة بآلاف الكتب في كلِّ العلوم التي كانت معروفة في ذاك الوقت.

تألفت العمرية أولاً من مسجدٍ وعشر غرف (خلاوي)، زاد عليها بعض الواقفين وبُنِيت غرفٌ جديدة، وما زالت تكبر حتى بلغ عدد غرفها 360 خلوة كبيرة وصغيرة. غير أن إيراداتها أخذت تقلُّ شيئاً فشيئاً بسبب التسلط على أوقافها، فقلَّ الإصلاح فيها والاعتناء بأحوالها، حتى صارت في بداية القرن الرابع عشر الهجري 110 غرف، وعند منتصف القرن المذكور تهدمت حيطانها وغرفها العلوية، وسطا جيرانها فاقتطعوا أقساماً منها، كما أُخِذَ جزءٌ منها لتوسعة الطريق الذي يمر بشرقها، فقلَّ بذلك عدد غرفها.

وممَّا جاء في وصف المدرسة عام 1359 هـ، 1940 م: «ما إن يدخل الإنسان اليوم إلى المدرسة من بابها الغربي المبني من الحجارة الصفراء الكبيرة، فيرى أول ما يرى مدخلاً ضيِّقاً فيه بئر ماء، وإلى يمين هذه البئر سلم حجري له اثنتا عشرة درجة يصعد به إلى سطح الطابق الثاني الغربي، وليس في هذا السطح من أثر إلا أطلال بعض الغرف، وكذلك الحال في السطح الشمالي الأوسط والأعلى، حيث كانت تقوم مقبرة المدرسة، ولكن لم يبق فيها سوى قبرين دارسين.

وإلى يسار الداخل من الباب قرب البئر، يقوم مسجد المدرسة، وله ثلاثة شبابيك، اثنان منهما بينهما المحراب، والثالث يطلُّ على دخلة العمرية، وقد سقط سقف المسجد، وأرضه مغطَّى بالحجارة والصفيح والأشواك وغيرها».

هذا الوصف للمدرسة العمرية، أقدم مدرسة في الصالحية، أعظم مدرسة في دمشق قديماً، التي لا تزال تحتفظ بهيئتها في الطابق الأرضي، وتهدمت بقية طوابقها، ولا يزال جدارها القبلي الحجري قائماً، ولها بابان أحدهما في غربها وفيه الباب الرئيسي، والثاني في شرقها وفيه بابُ صغير كان يوصل إلى أقسامها الشرقية، أما الطابق تحت الأرض فقد ذهب به شارعٌ الجديد، قد دفع بعض الأهالي لترميمها، ففي عام 1945 جمع النائب الدمشقي فخري البارودي 6500 ليرة سورية من أهل الخير، ورمم اثنتين وعشرين غرفة جعلها صالحةً للسكن. ولكنَّ تراجعها لم يتوقَّف حتى وصلت إلى الحال المرير الذي هي عليه اليوم: باحةٌ ترتع فيها القوارض والزواحف، وسماءٌ تطير فيها الحشرات والطيور، وجنباتٌ تغطيها أعشابٌ يابسة، وأحسن ما يُقال عنها إنها أطلالٌ دارسة وآثارٌ باقية وسط منطقة مأهولة بالسكان.

قد يهمك أيضا:

علامات تشير لتعرض طفلك للضرب في المدرسة

مقتل مدير مدرسة في محافظة العرضيات جنوب غرب السعودية

 

alsaudiatoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المدرسة العمرية في دمشق تاريخٌ زاهر وواقعٌ مرير المدرسة العمرية في دمشق تاريخٌ زاهر وواقعٌ مرير



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك

GMT 21:56 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الخطة الكاملة لموديلات هيونداي 2021

GMT 17:20 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات الجينز من وحي النجمات العربيّات

GMT 00:06 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

فرحة لم تكتمل في دار أزياء «فيتون»

GMT 10:14 2019 الثلاثاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أفلام تعرض للمساجين خلال "قرطاج" في تونس

GMT 05:50 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

حتى لا يصبح الهلال الإيراني قمراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon