نيويورك - السعودية اليوم
لم يعد الصداع النصفي يُنظر إليه اليوم على أنه مجرد نوبة صداع عابرة، بل بات يُصنَّف كاضطراب عصبي مزمن ومعقّد يؤثر على الجسم بأكمله، ويُعد أحد أبرز أسباب الإعاقة حول العالم. وعلى الرغم من إصابة أكثر من مليار شخص به، لا تزال أسبابه الدقيقة وآلياته البيولوجية الكاملة موضع بحث ودراسة، في ظل تغير ملحوظ في فهم العلماء لطبيعة هذا الاضطراب خلال السنوات الأخيرة.
وتصف إحدى المصابات بالصداع النصفي تجربتها مع النوبات المتكررة التي تداهمها مرتين أسبوعياً تقريباً، حيث يبدأ الألم في جانب واحد من الرأس، ويتسلل خلف العينين ليستقر كألم حاد يمتد إلى الفك، مصحوباً بإحساس بالنبض، وحساسية شديدة للضوء والروائح، وأحياناً تعب وتشوش ذهني وغثيان. وتوضح أن تأخير تناول الدواء يزيد من حدة النوبة ويطيل زمن السيطرة عليها، ما يعكس الطبيعة التراكمية والمعقدة لهذا الاضطراب.
ويشير مختصون إلى أن الصداع النصفي لا يتمثل في الألم فقط، بل هو سلسلة من الأحداث العصبية التي تبدأ قبل ظهور الصداع بوقت طويل، وقد تشمل تغيرات في المزاج، والتثاؤب، والرغبة الشديدة في تناول أطعمة معينة، إضافة إلى الهالات البصرية التي يعاني منها نحو ربع المرضى، وتظهر على شكل ومضات ضوئية أو تشوش في الرؤية.
ولسنوات طويلة، أُسيء فهم الصداع النصفي، خاصة مع ارتباطه تاريخياً بالنساء، حيث اعتُبر في فترات سابقة حالة نفسية أو “هستيرية”، وهو ما أسهم في تأخر الأبحاث العلمية وضعف التمويل المخصص لدراسته. ومع أن النساء يشكّلن النسبة الأكبر من المصابين، فإن الاضطراب يصيب الرجال أيضاً، ويظهر غالباً في سنوات ذروة الإنتاج العمري، ما ينعكس سلباً على الأداء الوظيفي والاستقرار المهني والاقتصادي.
وتكشف الدراسات الحديثة عن دور وراثي مهم في الإصابة بالصداع النصفي، إذ تشير الأبحاث إلى أن ما بين 30 و60 في المئة من احتمالات الإصابة تعود لعوامل جينية، بينما تلعب البيئة ونمط الحياة والتجارب الحياتية دوراً مكملاً. وقد حدد الباحثون مئات المواقع الجينية المرتبطة بالصداع النصفي، بعضها يرتبط بتنظيم الأوعية الدموية، أو بالاكتئاب، أو بتركيبة مناطق معينة في الدماغ.
ورغم الاعتقاد السائد سابقاً بأن توسع الأوعية الدموية هو السبب المباشر لنوبات الصداع النصفي، فإن العلماء باتوا يرون أن العلاقة أكثر تعقيداً، وأن توسع الأوعية قد يكون عرضاً من أعراض النوبة لا سبباً مباشراً لها. وتشير النظريات الحديثة إلى أن النوبة تبدأ بموجة كهربائية غير طبيعية تنتشر ببطء في قشرة الدماغ، تؤثر في نشاط الخلايا العصبية، وتُطلق مواد كيميائية تسبب الالتهاب وتنشّط مسارات الألم.
كما أظهرت دراسات أن مناطق عميقة في الدماغ تنشط قبل حدوث النوبة بيوم كامل، وهي مناطق مرتبطة بتنظيم النوم والاستجابة للتوتر، ما يفسر ارتباط الصداع النصفي بقلة النوم، والصيام، والضغط النفسي، وحتى الراحة بعد فترات التوتر.
ويلعب الغشاء المحيط بالدماغ، المعروف بالأغشية السحائية، دوراً محورياً في الإحساس بالألم، إذ يحتوي على ألياف عصبية وخلايا مناعية تستجيب لتغيرات كيميائية وحرارية وحمضية، وتُرسل إشارات مباشرة إلى الجهاز العصبي، وهو ما يفسر امتداد الألم إلى العينين والوجه وفروة الرأس، وكذلك شعور بعض المرضى بالتحسن عند استخدام الكمادات الباردة أو الدافئة.
وفي السنوات الأخيرة، شكّل اكتشاف دور بروتينات تُعرف باسم “الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين” نقطة تحول في علاج الصداع النصفي، إذ تبين أن مستوياتها ترتفع أثناء النوبات وحتى بين النوبات لدى بعض المرضى. وأدى ذلك إلى تطوير أدوية حديثة تستهدف هذه البروتينات، وأسهمت في تقليل عدد النوبات بشكل كبير لدى نسبة واسعة من المرضى، بل والتخلص منها تماماً لدى البعض.
ورغم هذا التقدم، يؤكد الباحثون أن الصداع النصفي لا يزال لغزاً متعدد الأبعاد، ولا يوجد علاج واحد يناسب الجميع، إذ تختلف آليات الإصابة من شخص لآخر. ومع ذلك، يتزايد التفاؤل بإمكانية الوصول إلى فهم أعمق ومؤشرات حيوية أدق، تمهّد لعلاجات أكثر تخصيصاً وفعالية في المستقبل.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
دراسة جديدة تطبيق هاتفي يقلل الإعاقة الناتجة عن الصداع النصفي
طبيب روسي يكشف عن عوامل تسبب الصداع النصفي
أرسل تعليقك