حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته

حاجة التفكير إلى النقد.. وضرورة نقد المفكر ذاته

حاجة التفكير إلى النقد.. وضرورة نقد المفكر ذاته

 السعودية اليوم -

حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته

عمار علي حسن
بقلم : عمار علي حسن

 

ما دمت تعمل بحقل إنتاج الأفكار والمعارف فى العالم العربى، وحتى لو كنت مجرد ناقل لها، فأنت معرض، لا محالة، لأن تخضع لتصنيف ما، يزيحك إلى أى من الأيديولوجيات السائدة، فإما أنت يسارى أو إسلامى أو ليبرالى، وداخل هذه التقسيمات الثلاثة الكبرى يتم توزيعك على أحد ألوانها، المتدرجة من الاعتدال إلى التعصب الأعمى مرورا بأشكال عدة من الانحياز النفسى والعقلى.

وهذا التصور النمطى لميول وتوجهات وتصورات المفكرين والمبدعين العرب يتجاهل عدة أمور أساسية هى:

١ ـ حق الإنسان فى التفكير الحر، الذى يتجاوز الأيديولوجيات الجامدة، إلى آفاق رحبة من العمل الذهنى الخلاق، الباحث دوما عن أطر فكرية وسياسية متجددة قادرة على النهوض بواقع يتغير، لا سيما إذا كان هذا التغيير متلاحقا بسرعة شديدة. ويمتد هذا الحق إلى رفض جميع الأفكار الرائجة فى مجتمع ما فى لحظة معينة، من منطلق اقتناع بأن أيا منها غير جدير بالانحياز إليه أو تبنيه.

٢ ـ حق من يفكر فى ممارسة درجات من النقد الذاتى، الذى تصل ذروته إلى حد «القطيعة المعرفية» مع ما كان الفرد يعتنقه من أفكار فى الماضى، دون أن تكون هذه النقلة النوعية خاضعة لاعتبارات ذات طابع انتهازى، من قبيل تبديل الأفكار والمواقف إرضاء للسلطة أو بحثا عن منافع مادية أو مناصب بيروقراطية أو مواقع فى السلم الاجتماعى، أو خوفا من تيار سياسى معارض بعينه أو إرضاء له لتحصيل مكاسب معينة. وهذه النقلة أو تلك القطيعة تتطلب اعترافا من الآخرين بها، بحيث لا تظل الأفكار القديمة التى كان الفرد يعتنقها تطارده أينما حل، وكأنها ثوب ارتداه ولن يكون بمقدروه أن يخلعه مهما اتسخ أو بلى، وبات ملفوظا ممن يرتديه.

٣ ـ ضرورة التفاعل مع المحيط الأكبر، الذى يتعدى الحدود الجغرافية للوطن سواء كان دولة أو أمة بأكملها، بحيث يستفاد على الوجه الأكمل من تجارب الآخرين مع الأفكار، خاصة إذا كان جزءا كبيرا من الأفكار المتداولة والأيديولوجيات المنحاز إليها داخل حدود الوطن وافدة من الخارج، مثل ما هو الحال بالنسبة للعالم العربى. فالاشتراكية والليبرالية بأطيافهما ليستا صناعة عربية، وإن كانت التجربة العربية قد اجتهدت فى إطارهما من خلال المزاوجة أو التوفيق بين «الأصالة» و«المعاصرة» أو «التراث» و«التجديد». وحتى التصور السياسى الإسلامى، الذى فارق الدين إلى الأيديولوجيا، يعود، فى جزء رئيسى منه، إلى أفكار وردت من خارج العالم العربى، وتحديدا من شرق آسيا، حيث أبوالأعلى المودودى وأبوالحسن الندوى وغيرهما.

لقد عانى ويعانى بعض من منتجى الأفكار فى العالم العربى من آفة تصنيفهم ليس فكريا فحسب، بل سياسيا أيضا. ولم يستوعب الآخرون أن هؤلاء يفكرون بعقول حرة ونفوس تنزع إلى الاستقلال. وظل كثيرون من أولئك تطاردهم الصورة الذهنية التى التقطت لهم وفى مستهل طريقهم إلى المعرفة. ومن ثم طالما عبر كثيرون عن حيرة انتابتهم فى تحديد توجه مفكر عظيم مثل جمال الدين الأفغانى، أو فيلسوف عبقرى مثل حسن حنفى. فالأول تراوح تصنيفه بين الاتهام بالماسونية إلى التجديد الدينى، والثانى تباين توزيعه بين الماركسية والتطرف الإسلامى.

وعلى مستوى آخر لم نبحث بجد واجتهاد لنحاول أن نفهم التحولات الفكرية فى حياة مفكرين كبار مثل طه حسين وزكى نجيب محمود وطارق البشرى والسيد يس وسيد قطب ومنير شفيق. ولم ننتج بعد ما يكفى فى علم اجتماع المعرفة ما يؤهلنا للحكم على السياق الفكرى ـ الاجتماعى والسياسى، بل والنفسى الذى أنتج فيه مفكرون عرب مختلف معارفهم من أمثال قسطنطين زريق ومحمد عابد الجابرى وعبدالله العروى وأدونيس ومحمد جابر الأنصارى وعلى حرب والطيب تزينى وفؤاد زكريا وأحمد أبوزيد والصادق النيهوم وعبدالله الجذامى وهشام جعيط وعلى الوردى وأنور عبدالملك... إلخ.

بل كل ما أعيا أذهان المتابعين للأفكار فى عالمنا العربى هو تصنيف هؤلاء فكريا، بوضعهم فى قوالب جامدة، أشبه بالخزائن الحديدية، لا يستطيعون منها فكاكا، مع أن الإنتاج المعرفى الذى راكموه بعد تصنيفهم القديم أو الأولى يبرهن جيدا على أنهم تطورا فكريا، وربما فارقوا تماما، أو قاطعوا، تلك الأفكار التى كانوا يتبنونها فى مستهل حياتهم. ومع أن بعض السير الذاتية التى خلفها مفكرون، أو الحوارات التى أجريت معهم حول مسيرتهم الفكرية، تدل على أن هؤلاء فى حالة جدل مستمر مع الذات والآخر، سواء من خلال علاقات الوجه للوجه مع أندادهم فى العالم العربى وخارجه، أو بالاطلاع المستمر على ما يستجد من أفكار فى مختلف أرجاء العالم من خلال المصادر المكتوبة، أو بالتفاعل مع السياق الثقافى الاجتماعى المحيط بهم.

وآفة قولبة المفكرين العرب هذه مردها الرئيسى هو الرغبة فى الإمساك بمعيار، حتى لو كان زائفا أو معيبا، يسهل على الناس التعامل مع المفكر، حيث الكسل فى متابعة ما ينتج من أفكار، وهى مسألة تدل عليها مؤشرات عديدة، منها تدنى مستوى توزيع الكتب وطباعتها فى العالم العربى، وبالتالى انحسار عدد القراء، والضعف الشديد الذى أصاب الحركة النقدية، الأمر الذى بات محل شكوى عامة من المبدعين فى المعارف الإنسانية بمختلف ألوانها، علاوة على تراجع حجم النخبة الفكرية ذات الاهتمام الموسوعى، وتقطع أوصال الحوار بين أفراد هذه النخبة، وانتشار ظاهرة «الثقافة السماعية»، التى تهيئ المناخ الفكرى لتقبل الآراء الجاهزة أو «المقولبة» والمحرفة والأحكام السريعة على المفكرين، وطغيان السياسى على الفكرى فى حياتنا، بما ربط الرعيل الأول من مفكرينا بمشروعات سياسية، حزبية أو تنظيمية، وهى مسألة، رغم تراجعها، إلا أنها لاتزال حاضرة فى العقل الجمعى العربى فى تقييمه للمنتج الفكرى، ولايزال هذا العقل غير قادر، أو لا يريد أن يستوعب أن هناك من يفكر بطريقة حرة، بعيدا عن القوالب الجامدة.

arabstoday

GMT 20:32 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

دخانٌ مُنعقدٌ في الأفق الشرقي

GMT 20:31 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مرحلة انتقاليّة... لا نزيدها إلاّ غموضاً

GMT 20:25 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

إيران والغرب... إلى أين؟

GMT 20:22 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

العالم من «مبدأ مونرو» إلى «نهج دونرو»

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

استطلاع مضروب!

GMT 20:08 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

ما هو التاريخ؟

GMT 20:02 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شيرين تتضامن مع شيرين!

GMT 19:58 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

كارت المسافر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته



إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

الرباط - السعودية اليوم

GMT 14:00 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مكسرات غنية بالمعادن والفيتامينات لحماية العظام
 السعودية اليوم - مكسرات غنية بالمعادن والفيتامينات لحماية العظام

GMT 17:32 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
 السعودية اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 09:50 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 15:52 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على طريقة وضع بودرة الخدود بحسب شكل وجهكِ وأنفكِ

GMT 18:42 2017 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

إذاعة "نجوم إف إم" تنقل بث مباشر من حفل القرن على الهواء

GMT 18:17 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

ليبيا تحقق أول فوز لها في البطولة الأفريقية لكرة اليد

GMT 13:11 2015 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2015

GMT 21:13 2020 الإثنين ,14 كانون الأول / ديسمبر

خطوات إزالة بقايا الطعام من أواني التفال

GMT 04:48 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

مدوار يطالب بتغيير قوانين الاحتراف في الدوري الجزائري

GMT 15:53 2019 السبت ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد طارق يتأهل للمرحلة النهائية لـ"منشد الشارقة"

GMT 14:33 2019 الثلاثاء ,23 تموز / يوليو

سباح أخر يرفض مصافحة الصيني سون بسبب المنشطات

GMT 07:20 2019 السبت ,06 إبريل / نيسان

جريمة قتل بشعة تهزّ المنطقة الشرقية من لندن

GMT 17:21 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

الأوروجوياني كاسيريس يستعد للكشف الطبي في يوفنتوس

GMT 11:35 2018 الإثنين ,08 تشرين الأول / أكتوبر

خادم الحرمين يستقبل الأمراء ومفتي عام المملكة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon