الأدب والمجتمع والاقتصاد 6 6

الأدب والمجتمع والاقتصاد (6- 6)

الأدب والمجتمع والاقتصاد (6- 6)

 السعودية اليوم -

الأدب والمجتمع والاقتصاد 6 6

عمار علي حسن

(.. ولا يقتصر تأثير الاقتصاد فى الأدب على الشكل الأدبى فقط، بل يمتد تأثيره إلى مضمون النصوص الأدبية ذاتها. فالوضع الاقتصادى للمجتمع ينعكس على الرواية الواقعية، فتذهب بعيداً فى وصف الأمكنة التى يقطنها أبطال الرواية، مما يكشف وضعهم الطبقى، الذى يظهر من خلال رصد طرائق حياة هؤلاء الأبطال، ومظهرهم الشخصى).

فالروائى يستخدم الوجوه الجميلة، التى تشع بالحيوية والنضارة، والأماكن الفخمة والسلع غالية الثمن؛ ليعبر عن الثراء الاجتماعى، والعكس صحيح. ويمكن فى هذا المقام ضرب مثل على تعبير الرواية عن وضع اقتصادى معين، أو انعكاس الظروف الاقتصادية على النص الروائى، من خلال روايتى: «يوم قتل الزعيم»، لنجيب محفوظ، و«ذات»، لصنع الله إبراهيم. فكلتاهما أظهرت تأثير الانفتاح الاقتصادى، الذى بدأته مصر عام 1974، على أسلوب معيشة الأسرة المصرية، وقيمها الاجتماعية. وفى هذا الشأن يرى رائد الواقعية، جون فريفيل، أنه فى المجتمع المقسم إلى طبقات يعكس الأدب، بشكل مباشر أحياناً، وغير مباشر أحياناً، أوضاع طبقة معينة وآراءها السياسية، ألا وهى الطبقة التى تسيطر على وسائل الإنتاج المادى، وذلك من خلال سعيها للسيطرة على وسائل الإنتاج الفكرى أيضاً. ويتسق موقف فريفيل هنا مع النظرة الماركسية للمعرفة، على أنها تابعة للأوضاع المادية.

لكن لا يجب التعامل مع الرأى السابق على أنه قطعى، فالأدب، وكما سبق الذكر، قد يمثل إحدى أدوات الطبقات المسحوقة فى مواجهة الطبقة المهيمنة مادياً، والمحكومين فى مواجهة الحكام، وذلك حين يركز على المفارقة الناجمة عن الوضع الاجتماعى المختل، فاضحاً بطر الأثرياء، وموضحاً عوز المحتاجين. ومعنى هذا أن الأدب لا يمكن أن يكون تعبيراً عن طبقة واحدة، فى مواجهة الطبقات الأخرى. وقد يعود ذلك إلى أن الأدباء أنفسهم، وكما تم توضيحه سلفاً، لا يشكلون طبقة اجتماعية واحدة، بل ينتسبون إلى مختلف الطبقات والفئات أو الشرائح الاجتماعية. فلكل طبقة مثقفوها، الذين ينتمون إليها اجتماعياً ويعبرون عنها فكرياً.

فضلاً عن ذلك فإن «الطبقات ذاتها ليست جواهر ثابتة، ولا وحدات متجانسة، إنما هى فى حالة صيرورة، تتكون وتتقدم، ويمكن أن تتراجع وتتهدم، حاملة تناقضاتها فى داخلها.. فيمكن أن توجد الطبقة سياسياً واقتصادياً، دون أن تحقق وجودها الثقافى، ويمكن، فى شروط معينة، أن يسبق الوجود الثقافى الوجود السياسى، أو يفيض العقل السياسى للطبقة عن حدودها الاقتصادية»، وذلك حسبما يرى الناقد الكبير فيصل دراج.

وأخيراً، فإن الاقتصاد قد أثر أيضاً فى ظهور بعض مدارس النقد الأدبى، أو فى تفسير وجودها. فعلى سبيل المثال فإن مدرسة «الالتزام الاجتماعى» لم يشتد ساعدها، فى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا مع زيادة حدة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الكساد العالمى الكبير، الذى حدث عام 1929.

فمع بروز بعض الشرائح الاجتماعية الفقيرة، وجد الأدباء أنفسهم أمام التزام أخلاقى بضرورة الدفاع عن الفقراء، ومواجهة استغلال الطبقة الرأسمالية. كما أن ظهور الواقعية تواكب مع نهوض البرجوازية الأوروبية، منذ أواخر القرن السابع عشر، وتصديها لأيديولوجية الإقطاع والكنيسة. وفى المقابل فإن بعض الماركسيين يرون أن تشجيع تيار «الفن للفن» فى شتى أشكاله، سواء كانت تجريدية، أو رمزية، أو سريالية، استهدف خدمة الأغراض الطبقية للمجتمع البرجوازى.

وفى هذا السياق، يمكن النظر لموجة ما بعد «الحداثة» الأوروبية، التى اجتاحت الأدب فى أصقاع كثيرة من العالم، على أنها، فى جزء منها، تعد رد فعل على سعى الطبقات القادرة اقتصادياً للسيطرة على الثقافة. فأمام هذا الوضع لجأ الأدباء للنصوص الغامضة، وابتعدوا عن المباشرة، حتى تعجز هذه الطبقات عن فهم إنتاجهم بسهولة، ومن ثم تنظر إليهم بعين الإكبار. وفى الوقت ذاته فإن ما بعد الحداثة قد يكون رد فعل لحالة التشظى والاستلاب، التى انتابت الإنسان بفعل سيطرة المادة والتقنية على مختلف جوانب الحياة فى الغرب، ألقت بظلالها على إنتاج بعض الأدباء والفنانين، فى نصوصهم، التى قد تعبر عن الشعور بالعبث، أو اليأس، من تغيير الواقع، والانسحاق أمام طغيان المادة.

arabstoday

GMT 06:32 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية.. قدسية المكان وعواصف السياسة

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأدب والمجتمع والاقتصاد 6 6 الأدب والمجتمع والاقتصاد 6 6



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon