بقلم: عمرو الشوبكي
فاقت نتائج انتخابات التجديد النصفى فى الولايات المتحدة توقعات الجميع، وتحول الفوز الراجح للديمقراطيين إلى فوز كاسح، والفوز المتوقع فى مجلس النواب إلى فوز ثنائى فى الشيوخ والنواب.
وقد حصل الديمقراطيون على 54 مقعدًا فى مجلس الشيوخ، محققين أغلبية غير متوقعة، كما اكتسحوا فى النواب، وأصبح لديهم نحو 252 مقعدًا مقابل 161 للجمهوريين من أصل 435 مقعدًا.
ويعد الفوز الذى حققه الديمقراطيون فى مجلس النواب غير متكرر فى تاريخ تداول السلطة فى أمريكا، لأن الفارق بين الحزبين فى «الكونجرس» عادة ما يكون ضئيلًا، إنما هذه المرة كان هائلًا؛ لأنه مثل استفتاء على أداء الرئيس الداخلى والخارجى على السواء.
وقد فشلت رشاوى ترامب للناخبين، وغير المسبوقة فى تاريخ الانتخابات الأمريكية، حين قال إنه سيدفع 5 آلاف دولار لكل شاب فى حال فوز الجمهوريين، وهى رشوة رفضها الشعب الأمريكى وفعل العكس وانتخب خصومه.
يقينًا، مثلت الحرب الأمريكية على إيران سببًا رئيسيًا وراء هذه الخسارة الفادحة، كما قال ترامب نفسه، وأصبحت هناك رسالة رفض من الناخبين الأمريكيين لسياسات ترامب، لا يزال من غير المؤكد أنه سيتعامل معها بطريقة صحيحة.
وقد يضطر ترامب إلى الوصول لاتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران على ضوء نتائج الانتخابات، حتى لو استمر فى ضغطه الاقتصادى على طهران (لم يرفضه الديمقراطيون)، الذى أنهك الاقتصاد الإيرانى.
إن إعادة ترتيب الداخل الأمريكى بهذه الحيوية، والتى أثبت من خلالها الشعب الأمريكى قدرته على الحشد والتعبئة السلمية فى مواجهة توجهات رئيسة، بجانب هذا النجاح الكبير الذى حققه عدد من المرشحين الأمريكيين من أصول عربية ومصرية بأصوات ناخبين أمريكيين فى أغلبهم «بيض»، دل على أن الولايات المتحدة من أكثر بلدان العالم التى لا يميز أغلب مواطنيها بين الناس على أساس الدين والعرق، بعد أن عانت فى منتصف القرن الماضى من التمييز والعنصرية.
والحقيقة أن هزيمة ترامب ستمتد إلى خارج أمريكا لتشمل سياقات مختلفة فى العديد من بلاد العالم؛ لأنه مثل تيارًا عابرًا للحدود، حتى لو كان خطاب كراهية الآخر فى صورته «الترامبية» لم يراع الشكل أو اللياقة كما فعل زعماء كثيرون حملوا نفس أفكاره، ولكنهم لم ينعتوا الأجانب والمهاجرين بالمجرمين والقتلة وآكلة الكلاب والقطط.
سيمثل غروب مشروع ترامب تراجعًا لمشاريع مشابهة فى العالم كله، بدأت بالبرازيل ثم بأمريكا، وستصل إلى بلدان أخرَى مختلفة.
ستبقى هزيمة الجمهوريين فى انتخابات التجديد النصفى هزيمة لترامب أكثر منها هزيمة لمشروع الحزب الجمهورى اليمينى المحافظ المستمر، وإن أداء الرجل على مدار عامين كان من السوء بحيث جعل ولايات جمهورية منذ عقود تذهب إلى الديمقراطيين رفضًا لترامب الذى عاش فى فقاعة معزولة عن أغلب الناس، فكانت الهزيمة المدوية.