«حزب الله» واحتكارُ الرواية

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

 السعودية اليوم -

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

مصطفى فحص
بقلم : مصطفى فحص

يكافح «حزب الله» من أجل فرض روايةٍ واحدة للمَقتلة الجنوبية، أو تفسيرٍ واحدٍ لها، ويرى في أي رأيٍ مختلف «خيانةً» أو «طعناً في التضحيات». وهدفه منع بيئته، التي حملته سنوات، من قول ما تشعر به. لكنّ للجنوبيين روايةً أخرى.

فقد كانت حياة المُزارِعة الجنوبية فادية الحناوي شاقةً، كالشقاء في زراعة التبغ بقريتها عيترون؛ القريةِ التي سُوِّيت بالأرض، ومعها بيتها الذي بَنَته حجراً حجراً، موسماً بعد موسم، من زراعة الشتلة وقطفها وشَكِّها، لترسم تلك الشتلةُ تفاصيلَ الحياة الجنوبية بحلوها ومرّها.

فادية هي أنا وهو وهي وأنتم ونحن الواقفون على باب التهجير، أو الهاربون من تهجير إلى آخر... هي الجنوبية التي يُراد لها أن تصمت كي لا «تُوهِن» عزيمة الجماعة... وهي المتهمة؛ كغيرها من الشجعان والشجاعات الذين قرروا الخروج عن نصّ الجماعة المقدّس، وأن يقدّسوا أشياءهم الصغيرة: منازلهم... صورهم... ذاكرتهم، وأن يجاهروا بحزنهم.

هي زينب سعد التي تُطوّقها ألسنة العوامِ المنتظمين في لاهوتٍ حزبي بالعزلة أو الطرد؛ عقاباً على ما قالته علناً.

وهي كالراحل أبو علي فقيه، الذي مات فوق ركام منزله حزناً وقهراً، مخالفاً شعار الجماعة التي تَفترض أن الموت يجب أن يكون سعادة، وأنّ مَن يموت بغير تلك السعادة متهمٌ بالخروج والتخلّي... وأحياناً بالخيانة.

ففي العقل الشمولي، الستاليني أو العقدي، يُجرَّد الإنسان من خصوصيته، ومن ذاكرته ومستقبله، ويصبح حزنُه وفرحه وحياته وموته وبيته وعمله ملكَ الجماعة أو التنظيم أو النظام. فلا يعود الحزن حقاً، ولا النجاة الفردية حقاً طبيعياً كذلك، ويصبح المطلوب أن يشعر كما تريد الجماعة، وأن يصمت حين تقرر له الصمت، وأن يروي مأساته باللغة التي تسمح بها السلطة أو «الحزب» أو الطائفة؛ لأنهم وحدهم يحتكرون الرواية.

الرواية التي يريد «الحزب» احتكارها: إجبار الناس على أن يَرَوْا الموتَ والحربَ والدمارَ كما يراها هو، وأن يحاصِر الحقيقة ويمنع روايتها، وأن يقتلها داخل الفرد والجماعة والبيئة، وأن يجرّد الإنسان من قدرته على الدفاع عن نفسه أمام لاهوت السياسة و«الحزب»، حيث يُختزل الفردُ بالكامل، ويتحوّل شخصاً مُسيَّراً ومسيطَراً عليه كليةً. إنها ذروة القمع الممنهج، والآيديولوجيا الواضحة، والسيطرة على الوعي، وسلب الهوية والحرية.

وفي احتكاره «الرواية الأخيرة»، يحاول «حزبُ الله» محاصرةَ الأصوات التي تنتقد مغامراته القاتلة، ويقلّل من قيمة ما يخسره الناس مقابل شعارات النصر والعزة والكرامة، ولا يتردد في معاقبة من يخالف روايته. والعقوبة هنا ليست مجرد رد فعل، بل وسيلة لإعادة تعريف مخالفي «الحزب» أو الجماعة أو الطائفة، وعدّهم عبئاً يجب عزله؛ لأنهم باتوا خارج «الإجماع»، وتصويرهم على أنهم حالة عابرة.

إنها محاصرة اجتماعية وسياسية وأمنية تضغط على المخالفين إلى مرحلة يصبح فيها التعبير مكلفاً إلى درجة الصمت القسري، وحيث يدرك الأفراد أن الدفاع عن أنفسهم لا يغيّر شيئاً في منظومة قررت سلفاً موقعَهم. إنها لحظة «ما بعد العدالة»، حين لا يعود الظلم بحاجة إلى تبرير.

أما الرواية الأخرى فيصعب احتكارها؛ لأن من المستحيل مصادرةَ الموت والحزن والخسارة والوجع، أو فرضَ روايةٍ وحيدة عليها. وهنا يختصر محمود درويش حالة الموت الجنوبي المُعلَن بقوله:

فيا موتُ انتظرني ريثما أُنهي

تدابيرَ الجنازة في الربيع الهشّ

حيث وُلدتُ... حيث سأمنع الخطباء

من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين

وعن صمود التين والزيتون

في وجه الزمان وجيشه...


كُتّاب الشرق الأوسط
المزيد
الأكثر قراءة
اليوم
الأسبوع
4 طرق صحية لتناول التمر دون رفع سكر الدم
1
4 طرق صحية لتناول التمر دون رفع سكر الدم
2
كيف يؤثر تناول البيض على صحة الدماغ؟
3
ماذا يحدث لكليتيك عند شرب القهوة كل صباح؟
4
السعودية: احتمالية وفادة فيروس «هانتا» منخفضة جداً
5
المشي حافياً في المنزل... هل مفيد أم مضر؟

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حزب الله» واحتكارُ الرواية «حزب الله» واحتكارُ الرواية



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك

GMT 21:56 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الخطة الكاملة لموديلات هيونداي 2021

GMT 17:20 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات الجينز من وحي النجمات العربيّات

GMT 00:06 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

فرحة لم تكتمل في دار أزياء «فيتون»

GMT 10:14 2019 الثلاثاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أفلام تعرض للمساجين خلال "قرطاج" في تونس

GMT 05:50 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

حتى لا يصبح الهلال الإيراني قمراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon