فريد الأطرش بين الغناء والإمارة

فريد الأطرش.. بين الغناء والإمارة

فريد الأطرش.. بين الغناء والإمارة

 السعودية اليوم -

فريد الأطرش بين الغناء والإمارة

بقلم : فاروق جويدة

 جاء إلى مصر طفلًا صغيرًا فى صحبة أمه وشقيقته ، واختار الكنانة وطنًا، وأحب مصر، وانطلقت فيها مواهبه، وأصبح من أشهر المطربين فيها صوتًا ولحنًا وإبداعًا. أتحدث عن الموسيقار فريد الأطرش، واحد من أبرز فرسان الأغنية العربية فى عصرها الذهبي.

ـــــ بدأ طريقه صغيرًا، وانطلق صوته فى ملاهى القاهرة: صفية حلمى والعتبة والهرم .. كان يجيد أكثر من موهبة، لقد أجاد عزف العود وتفوّق فيه، ثم انطلق صوته مطربًا فريدًا لا يقلد أحدًا ولا يخضع لمدارس الغناء التى ملأت الساحة، وبدأ يأخذ مكانه ويتنقل فى مواكب الطرب صوتًا جديدًا مميزًا.. كان صوت فريد شيئًا مختلفًا؛ إنه ليس عبدالوهاب، وليس عبدالغنى السيد، ولكنه فريد الأطرش فى ساحة الموسيقى ..

ـــــ أصبح فريد واحدًا من أبرز عازفى العود فى بداية فريدة حققت له شهرة واسعة ، وبدأ يغنى ، وكان صوته مختلفًا عن كل الأصوات التى ملأت الساحة.. بدأ فريد بالأغنيات الخفيفة: «تعالى سلم»، «بساط الريح»، «يا عوازل فلفلوا»، «يا خوفى بعده ليطول».. وكان يتنقل بين المؤلفين الشباب حتى انضم لقافلة المبدع الكبير مأمون الشناوي، وكانت ثلاثيته البديعة: «حكاية غرامي»، و«أول همسة»، و«الربيع»، وهى فى تقديرى أجمل ما غنى فريد الأطرش.

ـــــ وراء كل أغنية كانت هناك حكاية. «حكاية غرامي» كانت لحنًا فريدًا وكلامًا مميزًا وغناءً عبقريًا: يا تصبرينى على الحرمان، يا ترجّعينى ليالى زمان. كانت «حكاية غرامي» حدثًا كبيرًا فى مشوار فريد الأطرش ، وكانت عاصفة فنية فريدة، ويومها استقبلها النقاد بحفاوة كبيرة..ومنها انطلق مع مأمون الشناوى فى لحن عبقرى فى أغنية «أول همسة»، وفيها قدم فريد إيقاعات موسيقية جديدة، ظهر فيها تأثره بالموسيقى الغربية، وتنوعت فيها طبقات اللحن فى إعجاز فنى مذهل. . كانت «الربيع» قمة الإبداع الصوتى واللحنى والجماهيرى عند فريد الأطرش.. وكان مأمون الشناوى قد عرضها على أم كلثوم، ولكنها ترددت، وقيل بعد ذلك إنها ندمت بعد النجاح الساحق الذى حققته «الربيع» جماهيريًا.. تنوعت ألحان فريد وأغنياته ما بين العامية والشعر، واختار قصائد كان أشهرها عِش أنت للأخطل الصغير، وعُدت يا يوم مولدي، ولا وعينيك يا حبيبة روحى لكامل الشناوي.

ـــــ أحببت فريد الأطرش فى شبابي، وكنت أسمع أغانيه دائمًا، وفى تقديرى أن هناك جيلًا كاملًا أحب فريد رغم حبه لعبدالوهاب وحليم الذى انتزع كثيرًا من جماهير فريد.. بقيت على عهدى فى حب فريد، خاصة بعد أن دخل مجال السينما وقدم مجموعة من أنجح الأفلام مع فاتن حمامة، ومديحة يسري، ومريم فخر الدين، وشادية، ولبنى عبد العزيز.، وسامية جمال..

ـــــ مرت سنوات وصعد نجم فريد الأطرش وتنوعت أغانيه وألحانه وأفلامه، وأصبح منافسًا فى ساحة الغناء، وأصبح من أشهر عازفى العود فى تاريخ الموسيقى العربية بجانب السنباطى والقصبجي.. وأصبحت حفلات فريد حدثًا فنيًا ينتظره الملايين على امتداد العالم العربي.. ولم يخلُ الأمر من مداعبات بين فريد وعبدالحليم حين قرر حليم أن يقيم حفلًا فى عيد الربيع، وهو الحفل الذى ينتظره الملايين ليلة شم النسيم مع فريد الأطرش، وانقسم الناس بين المطربين الكبيرين.. وفى لقاء تليفزيونى فى لبنان حدثت أزمة على الهواء حين خاطب «حليم فريد» وقال له إنه مثل والده.. بقيت على عهدى مع فريد الذى أحببته فى شبابي، وكنت دائمًا أعيش مع أغانيه وألحانه.

ـــــ امتدت سنوات العمر، وعاش فريد تجربة صحية صعبة، وحاول أن يتزوج ولم يكمل، وخسر أموالًا كثيرة لأسباب متعددة، وباع عمارته البديعة على شاطئ نيل العجوزة.. وكبر فريد وحاول أن ينتقل إلى لبنان، ولكنه عاد إلى القاهرة وأقام حفلًا رائعًا غنى فيه لمصر: سنة وسنتين يا مصر، يا عمرى يا نور العين.

ــــ عشت سنوات شبابى أحب فريد الأطرش وأعيش مع صوته وألحانه، وكانت مصادفة غريبة أن نلتقى معًا فى الأهرام فى مكتب الصديق الراحل كمال الملاخ .. يومها امتد الحديث بيننا، وأنا أتحدث عن أغانيه وذكريات عمرى مع فنه وإبداعه، وكنت أحكى له عن قصص أغنياته، وأهديته يومها أول دواوين شعرى وكتبت له إهداءً رقيقًا.. وتواعدنا يومها أن نتواصل، ولكنه سافر إلى لبنان، وكان قلبه المتعب قد وصل إلى آخر نبضاته، وعاد إلى مصر حسب وصيته ليدفن فى الأرض التى احتضنته عمرًا وفنًا وحياة وجسدًا.

ـــــ كانت حياة فريد قصة من القصص الجميلة: فنًا وإبداعًا وتجربة ثرية بين أمير من أسرة عريقة وطفل يبحث عن وطن وموهبة تسعى إلى تأكيد ذاتها وقدراتها.. كان مشوارًا امتد ما بين إمارة غابت وموهبة تؤكد وجودها حتى وصلت إلى قمة الهرم إبداعًا وفنًا وحضورًا.. كانت حياته ملحمة من النجاح والمتاعب، فقد عانى كثيرًا فى طفولته، وعانى أكثر حين فقد شقيقته أسمهان فى حادث مؤسف، وواجه تحديات كثيرة فى مشواره الفني، وعاش تجارب عاطفية تركت فى قلبه جراحًا كثيرة.

ــ إن لفريد 40 أغنية غُنّيت بتسع لغات عالمية، كان له السبق فى نشرها ولم يسطُ عليها أو ينسبها لنفسه.. حصل على ميدالية الخلود الفنى من فرنسا، والفنان الوحيد الذى غنّى بكل اللهجات العربية وحصل على خمس جنسيات عربية.. وكان عبد الناصر يطلق عليه «مطرب العروبة»، وكان أسطورة الغناء فى عصره.

واعتبرته هيئة اليونسكو شخصية العالم لعام 2015 بمناسبة مئويته،وقد كان فريد الأطرش صديقًا لعدد من الحكام والملوك العرب، فقد كان يحمل لقب «أمير». ومضى على رحيله أكثر من خمسين عامًا وما زال يُطربنا كلما عاد الربيع الذى غنّى له أشهر أغانيه.

ـــــ اختار فريد الأطرش مصر وطنًا رغم أن أغانيه وألحانه تجاوزت كل الأوطان، عاش فى مصر التى جاءها طفلًا وكبر فيها وأصبح نجمًا من نجومها فنًا وحضورًا ومجدًا، وكان دائم الحنين لها نيلًا وأرضًا وبشرًا.. رحل فى أحد مستشفيات لبنان وأصرت عائلته أن يُدفن فى بلده، ولكن فؤاد شقيقه أكد أن وصية فريد على أن يُدفن بجوار شقيقته أسمهان فى القاهرة.. وجاء جثمان فريد ودُفن فى مقابر البساتين فى القاهرة حسب وصيته، وقد عاش أجمل أيامه فى مصر ودُفن فى ثراها، وكم تغنّى بها..

ــــ هذا فريد الأطرش أحببته فنًا وتاريخًا وإبداعًا، وحين التقينا فى آخر الرحلة كان الوقت قد فات، والعصفور ودّع الساحة، ولم يبقَ غير الغناء الجميل. . ما زال صوت فريد وألحانه وأغانيه وأفلامه تعانق قلوب الملايين على امتداد الساحة العربية، كان مبدعًا وصادقًا وعاشقًا للفن الجميل.

 

..ويبقى الشعر

جَلسنا نرسمُ الأحلامَ

 فى زمنٍ .. بلا ألوانْ

رسمنَا فوقَ وجْهِ الريحِ

عُصفورين فى عشٍ بلا جُدرانْ

أطل العش بين خمائل الصَّفصافِ

لؤلؤةً بلا شطآنْ

نَسينَا الاسمَ ..والميلادَ..والعنوانْ

ومَزقنا دفاترنَا

وَألقينا هُموم الأمسِ

فوقَ شواطئ النِسيانْ

وقلنا : لن يَجيء الحزنُ بعد الآنْ

رأينا الفْرح بين عُيوننا يحبُو

كطفلٍ..ضمَّه أبوانْ

رسمنا الحبَّ فوق شفاهنا الظمْأي

بلون الشَّوق..والحرمانْ

رسمتُك نجمةَ فى الأفق ..

تكبرُ كلمَا ابتعدتْ

فألقاهَا..بكل مكانْ

رَسمتكِ فى عُيونِ الشمْس

أشجاراً متوجة بنهرِ حنانْ

رسَمتك واحة للعشق

أسكنها .. وتسْكنني

ويَهدأ عندهَا قلبانْ

* *  *

جلسنا نرسمُ الأحلامَ

فى زمنٍ .. بلا ألوانْ

وعدنا نذكرُ الماضى ..

 وما قد كانْ

ووحشُ الليلِ يرصُدنَا

ويهدرُ خلفنَا الطوفانْ

شربنَا الحزنَ أكوابًا ملوثةً

بدم القهرِ .. والبُهتانْ

وعِشنَا الموتَ مراتٍ ..

بلا قبرٍ .. ولاَ أكفانْ

وجُوهُ الناس تُشبهُنا

مَلامحُهمْ مَلامحنَا

ولكنْ وجهنَا .. وجهانْ

فوَجه ضاع فى وطنٍ

طغتْ فى أرضهِ الجرذانْ

ووجه ظل مسجونًا بداخلنَا ..

بلا قُضبانْ

جلسْنَا نرسمُ الأحلامَ

فى زمنٍ .. بلا ألوانْ

نَسِينا فى براءتِنا

بلادًا تعبدُ الأصْنامَ

تسْجدُ فى رحَاب الظلْمِ ..

ترتعُ فى حِمَى الشيطانْ

نسينا فِى برَاءَتِنا

وُجوهًا علمتْنا القتلَ

مُذُ كنَّا صغارا

نُطعمُ الِقططَ الصَّغيرةَ فِى البيُوتِ ..

ونعْشقُ الكَروانْ

نسينَا فى براَءتِنا

وُجوهًا طاردتْ بالمْوتِ ..

أسْرابَ النوارسِ ..

حطمتْ بالصَّمت أوتارَ الكمانْ

نسِينَا فى براءتِنا

بلادا تزرعُ الصَّبارَ

فى لَبن الصّغار ..

وتُطعمُ العُصفورَ .. للغرِبانْ

* *  *

جَلسنَا نرسمُ الأحلامَ

فى زَمن .. بلا ألوانْ

توحَّدنَا ..

فلم نعرفْ لنا وطنًا من الأوطانْ

تَناثرنَا ..

فَصِرنَا فى رُبوعٍ الأرضِ

أغنيةً لكِل لسانْ

أحبُّك ..

قلتُها للفجرِ حينَ أطل فى وجهِي

وَعَانقنيِ

وحَطمَ حَولِى الجُدرانْ

أحبُّك ..

قلتها للبحرِ .. والأمواجِ

تحملنِى لشطّ أمانْ

أحبكِ ..

قُلتها لليلِ .. واللحظاتُ تَسرقُنَا

فنرجُو العُمرَ لو أنا مَعًا طفلانْ

رَميْنا فوقَ ظَهر الريحِ ..

أشلاءً مبعثرةً منَ التيجانْ

وقلْنا نشترى زمنًا

بلا زيفٍ

بلا كذبٍ ..

بلا أحزانْ

وقلنا نشترِى وطنًا

بلا قَهرٍ ..

بلا دَجلٍ ..

بلا سَجانْ

جلسْنا نرسُم الأحلامَ

فِى زمن ٍ.. بلا ألوانْ

تَوارَى كلُّ ما رسمتْ

علَى وجْهى يدُ الطغيانْ

لتبْقى .. صُورةُ الإنْسانْ !!

arabstoday

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 20:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 20:20 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فريد الأطرش بين الغناء والإمارة فريد الأطرش بين الغناء والإمارة



GMT 19:29 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز اهتمامات الصحف الفلسطينية الصادرة الاثنين

GMT 18:53 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر سيارة هوندا بايلوت موديل 2018

GMT 02:19 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

جوجل تطلق تحديث جديد لتطبيق Google Photos

GMT 19:53 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الهلال يكشف اسباب صعوبة ديربي جدة

GMT 17:04 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

رياض محرز ينقطع عن ليستر لأجل غير مسمى

GMT 10:41 2014 الإثنين ,17 شباط / فبراير

عطر "هيرا" يغمر شعرك بالحماية والترطيب

GMT 13:56 2014 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

مانولو بلانيك في أسبوع "نيويورك"

GMT 21:31 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

سميحة أيوب تحل ضيفة على مشروع "الملهم"

GMT 13:02 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة سهلة لإعداد بسكويت جوز الهند الهش

GMT 05:03 2014 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

العطس داخل الطائرات يتسبب في انتشار الأمراض المعدية

GMT 09:41 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

مواد بناء بديلة من المخلفات أوائل 2013 في مصر

GMT 07:09 2017 الأحد ,22 كانون الثاني / يناير

نادي الطائي يعيد نغمة الفرح لرياضيي حائل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon