الطبع الأميركي يغلب التطبع

الطبع الأميركي يغلب التطبع!

الطبع الأميركي يغلب التطبع!

 السعودية اليوم -

الطبع الأميركي يغلب التطبع

سليمان جودة
بقلم : سليمان جودة

تجد نفسك أحياناً أمام مشهد في الحياة، وتشعر بأنه مرّ بك من قبل. تُحاول أن تتذكر متى بالضبط رأيته؟ وأين؟ ولكنك لا تصل إلى إجابة، فكل ما تذكره أنك مررت به، وبتفاصيله، أما ما عدا ذلك في الزمان أو في المكان فلا تذكر شيئاً.

شيء من هذا تجده في التحذير الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لمغادرة السلطة. سوف تتابع المشهد الأميركي-الفنزويلي بين الرئيسين، وسوف تجد أنك رأيت ما يُشبهه تقريباً مرة، أو ما يُماثله بالضبط مرةً ثانية، وسوف لا تخونك الذاكرة هنا كما قد تخونك في مشاهد الحياة التي تصادفك على مر الأيام.

ستذكر أن الرئيس بوش الابن حذّر الرئيس العراقي صدّام حسين بداية هذه الألفية، داعياً إياه إلى الشيء نفسه، وأن الرئيس العراقي رفض الاستجابة للدعوة، وأنه كان لا بد أن يرفض، فلا يوجد رئيس دولة، مهما صغر حجمها أو حتى شأنها، يمكن أن يقبل بدعوة كهذه، حتى لو كانت من رئيس أقوى دولة في العالم.

لقد رفض صدّام دعوة بوش الابن، وكان يعرف أن رفضه يمكن أن يجرّه إلى ما لا يحبه، ولا تطيقه بلاده، ولكنه رفض ولسان حاله يُردد ما كان الشاعر أبو الطيب المتنبي يقوله:

وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ

فمنَ العجز أن تكون جبانا

من الجائز ألا يكون صدّام حسين قد صادف هذا البيت من الشعر في حياته، فضلاً عن أن يكون من بين محفوظاته الشعرية، ولكنه في الغالب استحضر معناه في الموقف الذي وجد نفسه فيه، ثم راح يتصرف على أساسه، ومن بعدها كان ما كان مما نذكره في القصة كلها.

وقد عاش بوش الابن بعد ذلك، ورأى عواقب دعوته على العراق، وعلى غير العراق في المنطقة، وكان هذا أدعى إلى ألّا يتكرر الأمر من ساكن آخر للبيت الأبيض، لولا أن باراك أوباما كرره مع الرئيس حسني مبارك في أيام ما يُسمى «الربيع العربي». صحيح أن السياق كان مختلفاً، وصحيح أن حالة مبارك ليست كحالة صدّام، ولكن المضمون تقريباً واحد، كما أن الإصرار من جانب الرؤساء الأميركيين على تجريب ما تم تجريبه وتبين فشله واحد أيضاً، بل إن عدم قدرتهم على رؤية العواقب قاسم مشترك أعظم بينهم، والقضية تتجاوز عدم القدرة إلى عدم الرغبة، وبطريقة تستعصي على فهم كل متابع.

هذه المرة يعود الرئيس ترمب ويطلق دعوته إلى الرئيس مادورو، وبغير أن يكون للتجربة عند سابقيه رصيد لديه في الموضوع. فالمفترض أنه سمع عن دعوة بوش الابن مع صدّام، وأنه يعرف ما دعا أوباما الرئيس مبارك إليه. فإذا لم يحضر رصيد التجربة أمامه، فإن الذاكرة تُصبح بغير قيمة لدى الإنسان، وتنقطع الصلة بين التجربة في حياة الذين سبقوا ورصيدها في مواقف الذين لحقوا.

في كل مرة لم يكن دافع الدعوة المعلن هو الحقيقة، وإنما كان هناك دافع آخر يتوارى وراء كل دعوة من الدعوات الثلاث. كانت إدارة بوش الابن تتحدث عن مبرر تراه من وراء دعوتها صدّام إلى ترك السلطة، وكان المبرر أنها تريد المجيء بالديمقراطية للعراق، وكان مبرراً مثيراً للضحك بأكثر مما كان يُثير أي شيء آخر، فلا العراقيون اشتكوا في ذلك الوقت من شُحّ الديمقراطية في الأسواق، ولا الديمقراطية نفسها يمكن استيرادها من السوق الأميركية، ولا من غيرها.

وكانت إدارة أوباما تتكلّم عن أنها تريد تخلّي مبارك عن الحكم، استجابة لجماهير «الربيع» في ميدان التحرير، وكانت هذه كذبة كبيرة أخرى مثل كذبة الديمقراطية الكبيرة في العراق، ولم يكن الهدف الأميركي في حقيقته سوى رغبة في فتح الطريق أمام تيار سياسي بعينه في المنطقة، وعندما جاء هذا التيار إلى الحكم بعدها ثبت بالتجربة صواب ما قاله مبارك لأوباما وإدارته، وقد كان رأي مبارك أن أوباما مع أركان الإدارة في واشنطن لا يفهمون شيئاً في المنطقة، وأنهم مصابون بأمية سياسية إذا تعلّق الأمر بمنطقتنا هنا.

ولا تزال إدارة ترمب تتحدّث عن مخدرات قادمة من فنزويلا إلى الأميركيين، وعن أنها ترغب في منع هذه المخدرات، وهذا كلام لا ينطلي على عقل سليم، ولا يقبله منطق متماسك، وإذا شئنا فلنراجع احتياطي فنزويلا من النفط والغاز الطبيعي الذي لا يكاد يماثله احتياطي آخر في العالم، وعندها سيبدو حديث المخدرات لافتة ليس أكثر.

يقول المصريون في أمثالهم الشعبية إن «التالتة تابتة»، والمعنى أن المرء إذا أخذ فرصة ثالثة فهي فرصته الأخيرة. فهل يمكن أن يسري هذا على الدول كما يمشي على الأفراد؟... ربما... ولكن المشكلة أن التجارب الثلاث جزء من طبيعة السياسة الأميركية منذ أن صارت الولايات المتحدة على رأس العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والمشكلة أيضاً أن الطبيعة لا تزال تغلب التطبع.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطبع الأميركي يغلب التطبع الطبع الأميركي يغلب التطبع



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon