مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار

مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار

مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار

 السعودية اليوم -

مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار

بقلم - سليمان جودة

في الموروث الشعبي المصري، أن ثوراً يحمل كوكب الأرض على أحد قرنيه، وأنه يبدل بين القرنين من وقت إلى وقت إذا أراد أن يأخذ قسطاً من الراحة، وأنه إذا جاء لينقل الأرض من أحد القرنين إلى الآخر وقع زلزال!

كنا نسمع ذلك صغاراً وكنا نصدقه، وكنا نتخيل الثور ونتساءل عن مكانه الذي يختبئ فيه، وكنا نتصوره وقد بلغ به الإجهاد مبلغه من ثقل الأرض، فلا يجد بديلاً غير نقلها إلى القرن الثاني، وكنا إذا سمعنا عن زلزال وقع في أي مكان، بدا لنا الثور المختبئ في الخيال وهو ينقل حمولته فوق رأسه، ثم وهو يضيق بما يحمله ويكاد يلقيه بعيداً في فضاء الكون.

ولا بد من أن رجلاً مثل فاروق الباز سوف يضحك إذا سمع هذا التفسير، وسوف يتطلع إلى حجم الجهد الذي عاش يبذله لفهم التغيرات الجيولوجية في باطن الأرض، وسوف يتساءل عما إذا كان عليه من البداية أن يؤمن بنظرية الثور، فيريح نفسه ويريح سواه ممن يتابعون ما يفعل ويحاولون فهمه، فلا يستوعبون جيولوجيا الأرض إلا بشق الأنفس.

وعندما وقع زلزال مراكش الذي هز المغرب، وجدنا أنفسنا بين فرانك هوغربيتس، العالم الهولندي الذي أعلن أنه تنبأ بالزلزال، وبين العالم الإنجليزي بيل ماكغواير الذي راح يفسره ويشرح أسباب الدمار الواسع الذي رافقه حين وقع.

وقد ذاع صيت الهولندي هوغربيتس من أيام زلزال تركيا وسوريا أول السنة؛ لأنه يومها كان ينشط في الإشارة إلى أنه تنبأ به، وأنه يستطيع أن يقرأ كف الأرض، وأنه يفعل ذلك عن علم وعن دراسة، لا عن تخمين ولا عن ضرب الودع كما يفعل العرافون بين بسطاء الناس.

وكان هوغربيتس -ولا يزال- ينشط على منصة «إكس»، وكان -ولا يزال- يربط الزلازل بحركة الكواكب حول الأرض وتقاربها أو ابتعادها بعضها عن بعض، ولو أنك حاولت فهم شيء مما يقوله فسوف تجد صعوبة شديدة في ذلك، وسوف تجد أن فهم نظرية الثور أسهل بكثير طبعاً؛ خصوصاً أن حصيلتها إذا قارنتها بحصيلة حسابات العالم الهولندي هي حصيلة واحدة.

ففي النهاية الزلزال يقع، ولا فرق لدينا بين أن يكون قد وقع نتيجة الإرهاق الذي أصاب الثور في الموروث الشعبي، أو يكون قد فاجأ أهل الأرض بناءً على حسابات هوغربيتس المعقدة، فلم يثبت بعد أن حساباته نفعت في التقليل من خسائر زلزال، ولا في الحذر منه، ولا التحسب لما سوف يوقعه من ضحايا بالآلاف.

وإذا كان العالم الهولندي يتحدث دائماً عما قبل في شأن الزلزال، فإن ماكغواير يتحدث عما بعد في شأن الزلزال نفسه، ويقول إن زلزال مراكش يعادل في قوته 30 قنبلة ذرية من النوع الذي ضربت به الولايات المتحدة الأميركية مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية.

ولا تعرف كيف حسبها بهذه الطريقة، ولكن بما أنه متخصص في الجيوفيزياء في جامعة كوليدج لندن، وبما أنه دارس لها في هذه الجامعة البريطانية، فلا بد من أن حديثه يستند إلى هذا كله، تماماً كما نستند نحن إلى مقياس ريختر الشهير، بغير أن نعرف تفاصيل هذا المقياس، وبغير أن ننشغل بدقائقه والطريقة التي يعمل بها.

ولكن الأهم في كلام العالم البريطاني أنه يتحدث عن أن زلزال مراكش لو وقع في كاليفورنيا مثلاً، وبالقوة نفسها، ما كانت خسائره ستكون واسعة كما هي في الحالة المراكشية، والسبب أن الزلازل في ظنه لا تقتل الناس، ولكن تقتلهم طريقة البناء والإنشاء.

وكلام الرجل صحيح من حيث الفكرة العامة، ولكن ما فاته في المقارنة أن خسائر مراكش لم تصل إلى ما وصلت إليه في البشر والحجر لأن طريقة البناء فيها لم تشأ أن تراعي احتمالات وقوع زلازل في المستقبل، ولكن لأن مراكش مدينة عتيقة في مبانيها، ولا تحتمل المباني من هذه النوعية هزة أرضية قوية، فضلاً عن أن تكون قوة الهزة 7 درجات بمقياس ريختر.

وعندما قام الاتحاد المغاربي ذات يوم أو كاد يقوم، كانت ليبيا هي جناحه الشرقي وكان المغرب جناحاً له في أقصى الغرب، ولم يكن الذين رسموا حدوده على الخريطة في هذا النطاق، يتوقعون أن يأتي عليه يوم يهاجم فيه جناح الشرق إعصار، ويضرب جناح الغرب زلزال.

ومن تصاريف القدر أن ضحايا الإعصار الليبي في شرق الاتحاد، متساوون تقريباً من حيث العدد مع ضحايا الزلزال المغربي في غرب الاتحاد، وكأن القصد هو الإشارة إلى أن مصير أبنائه هو مصير واحد.

وقع الزلزال والإعصار، فاستيقظت مشاعر التضامن في أرض العرب، ونسيت الجزائر خلافاتها مع المغرب، ففتحت مجالها الجوي وعرضت المساعدة، ولكن بقي أن تتأصل هذه المشاعر، فلا تنتظر حتى تقع كارثة لتنهض من نومها الطويل.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار مشاعر أيقظها الزلزال والإعصار



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon