بقلم : سليمان جودة
لا شىء يجعل المرء يفكر بشكل مختلف مثل التعليم الجيد، ولا يمكن أن يذهب الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، للدراسة فى جامعة هارڤارد التى هى ما هى، ثم يعود ليفكر بطريقة تقليدية.
رأيت هذا أمامى وأنا أسمعه يتكلم عن ثلاث مشكلات عقلية اعترضت طريق البلد ولا تزال، ومن طول ما اعترضته فإنها عطلته طويلاً، وقد آن لنا أن نضع لها حداً، وأن نعمل على تفكيكها تدريجياً بأى ثمن.. وهو من موقعه يحاول ذلك ويسعى إليه.
أول مشكلة أننا عشنا كحكومات نتحدث عن ترشيد الاستهلاك بغير أن ننتبه إلى أن البديل الأفضل هو تنمية الموارد. ليس معنى هذا أنه ضد الترشيد كأسلوب حياة.. هو معه كمبدأ طبعاً.. وإنما القصد أن الانشغال أكثر بتنمية الموارد، وقطع خطوات فى ذلك، سوف يعفينا من ضغط فكرة الترشيد علينا إلى هذا الحد.. ومن الممكن بالطبع أن يكون الترشد حاضراً مع تنمية الموارد بالتوازى، ولكن المعادلة إذا كان لها طرفان هما الترشيد وتنمية الموارد، فالطرف الثانى فيها لا بد أن يظل يتقدم، وأن يكون هو محور التفكير والعمل الذى لا نغفل عنه ولا ننساه.
المشكلة الثانية معادلة ذات طرفين أيضاً، وطرفاها هما الواردات من جانب، والتصدير من الجانب الآخر، وتقدير الرجل أننا عشنا عقوداً من الزمان نتحدث عن أن وارداتنا كثيرة ولا بد من تقليلها، ولم ننتبه فى المقابل إلى أن الأفضل هو الانشغال بالصادرات والعمل بلا توقف على زيادتها، فلو زادت لتصل إلى ما يتعين أن تكون عليه، فسوف لا نشعر بأن الواردات كبيرة، وسوف يكون تعاظم الصادرات بديلاً عن الانشغال بضخامة الواردات.. هو من جانبه يعى ذلك ويعمل عليه.
أما الثالثة فهى الاعتقاد بأن القطاع الخاص بطىء فى اتخاذ القرار، وأن ذلك راجع إلى أنه لا يحب المخاطرة، وأنه وأنه، وأن الدولة جاهزة لتكون هى البديل، لأنها عكسه فى سرعة الحركة والقرار. هذه بدورها معادلة ذات طرفين، ولا بد من تقديم طرف القطاع الخاص على طرف الدولة، ولن يحدث ذلك إلا إذا فهمنا لغته ثم كلمناه بها، وإذا حدث هذا فسوف يأخذ القطاع الخاص مساحته الواجبة فى الاقتصاد، وسيرفع عن الدولة الكثير من وجوه الإنفاق والعمل التى تثقل كاهلها، لأنه سينهض بها هو، ولكن المهم أن يشعر بأن الدولة تقدمه وتؤخر نفسها فى مواجهته، وأن يجد ذلك عملياً فيما يمارسه على الأرض.
هذه معادلات ذهبية ثلاث لا يراها بهذا الوضوح إلا رجل انفتح على العالم، ثم رآه كيف يفكر وكيف يعمل، وإذا كان هذا هو يقين الدكتور كجوك، فلا شىء مطلوب من الدولة سوى أن تتركه يعمل فى هذا الاتجاه، ولو أنها تركته فسوف ترى أثر ما يعمله فى الأمد المنظور.