كراهية الحرب وكراهية الغرب

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

 السعودية اليوم -

كراهية الحرب وكراهية الغرب

رضوان السيد
بقلم - رضوان السيد

ما جلبت حرب غزة مصائب على فلسطين ولبنان وسائر دول المنطقة وحسب؛ بل وتسببت في تصاعد موجاتٍ هائجةٍ من كراهية أميركا والغرب عامةً، ليس لدى العامة فقط؛ بل ولدى المثقفين من ذوي الأصول الثقافية اليسارية والعلمانية.

وبالطبع، ما كان ذلك جديداً كلياً، بل كانت له أصول وسوابق من أيام الهجوم على الاستشراق من جانب أنور عبد الملك، والعروي، وطلال أسد... إلى الانفجار الذي أحدثه كتاب إدوارد سعيد: «الاستشراق» (1978) وما خلّفه من آثارٍ وتأثيرات في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وحتى اليوم. كان إدوارد سعيد يعدُّ تطورات الاستشراق والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا والإبستمولوجيا خيانةً لقيم التنوير، وقد تسبب في هذه الخيانة زمان الاستعمار بازدواجياته وصنع التفرقة بين البشر ونشر هذه الثقافة المزوَّرة. بيد أنّ تلامذته وزملاءه الأصغر ومَن تأثروا بالاستشراق والكتب الأخرى مضوا قُدُماً، وعدّوا أنّ العلة هي في قيم التنوير ذاتها وليس في تطوراتها السلبية وحسب، وهو الأمر الذي أدركه نيتشه والرفضيون الفرنسيون. وقد انتشر تيار «التابع (subaltern)» هذا (هل يستطيع التابع أن يتكلم؟) في أوساط المفكرين والمؤرخين الهنود وأميركا اللاتينية؛ ولا يزال على ازدهاره، سواء في رفض الغرب وقيمه، أو في اعتباره أساس الخراب الذي يشهده العالم، لأن استراتيجيات العالم ونظام عيشه من صناعةٍ غربية أوروبية، ثم أميركية!

لقد استُعْلت هذه النزعة شبه العدمية في مواجهة الغرب منذ ظهور نزعات اليمين بالغرب، وآيديولوجيا السوق وصراع الحضارات. وهي النزعات التي صارت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومته تقول بتفوق الحضارة اليهودية - المسيحية (هنتنغتون) وإن إنسانها هو الإنسان الأخير (فوكوياما) وتعدّ صدامها مع الإسلام غير الحضاري وغير الديمقراطي وجودياً!

وزاد الطين بِلّة أمران: نشوب الحروب على الإرهاب، وكثرة الدراسات والاستطلاعات من جانب استراتيجيين واقتصاديين غربيين تتنبأ بالانهيار الغربي المقبل؛ بسبب التراجع الاقتصادي، والخروج على النمط الأخلاقي السائد، والجنون التكنولوجي في وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، وسباقات التسلح، واضطراب النظام الدولي الذي صنعه الغرب وما عاد يستطيع ضبطه أو التحكم فيه رغم استخدام القوة العارية! نجد كتاب المفكر الفرنسي إيمانويل تود: «هزيمة الغرب»، مملوءاً بالإحصاءات التي تُثبت حدوث الانهيار. وبخلاف الآخرين المهجوسين بالصعود الصيني، يرى تود أنَّ الصين هي البديل لإنقاذ العالم؛ لكنّ المشكلة أن الصينيين لا يرغبون في السيطرة والاستيلاء. وهو الأمر الذي يخالفه فيه زملاء في بريطانيا وأميركا، ويستشهدون على ذلك بالمشروع الصيني الكوني: «الحزام والطريق» (2013). بينما يذهب فريقٌ ثالثٌ من الاستراتيجيين إلى أنَّ الحضارة المعاصرة ليست اقتصاداً ونظاماً للعيش فقط؛ بل تملك أيضاً طموحات إنسانية غير استعمارية لا تمتلكها الصين ولا الهند. بيد أن الصعود الآسيوي يطرح تساؤلات جدية عن مستقبل العالم. فالمختلف لدى الآسيويين هو عدم ميلهم للحروب التي ينهمك فيها الغربيون بشراسةٍ رغم وجود حيويات مسيحية متجددة ومجتمعات مدنية تعمل من أجل السلام.

يشتبك فريق تيار «التابع» بشدة مع الاستراتيجيين الغربيين من أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخصومه. ويلاحظون أنَّ الحروب التي أثارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو ترمب، أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنما تدمِّر النظام الدولي الذي أنشأه الغربيون. في حين يتم تجاهل كل قضايا العدالة والسلام والاستقرار، والتي لا تقتصر فظاعات هجرانها على فلسطين وأوكرانيا؛ بل وتنتشر أهوالها في قارة أفريقيا الضائعة والتي تغصّ بالحروب الأهلية.

ويردّ عليهم استراتيجيون غربيون أنهم يتجاهلون ما قامت به «حماس» والإيرانيون وميليشياتهم ليس تجاه إسرائيل فقط، بل وتجاه دولٍ عربية عدة هجمت عليها إيران بالميليشيات، وأدّت إلى تصدع كيانات تلك الدول وهلاك مئات الآلاف.

الكاتب الأميركي البارز مارك لينش صدر له كتابٌ قبل شهور عنوانه: «الشرق الأوسط الأميركي... وقائع تدمير منطقة أو إقليم». يتحير لينش من أين يبدأ روايته، ثم يطوف على فلسطين ولبنان والعراق وسوريا وليبيا واليمن، وهي البلدان التي شهدت تدخلات أميركية عسكرية وسياسية. وهو لا يرى أن أميركا مسؤولة وحدها، بل هناك دول غربية أوروبية دفعتها المطامع والمطامح لمحاولة مشاركة الولايات المتحدة في صنع هذا «الخراب الجميل» رجاء الغنائم!

إنّ الذي يزعج مارك لينش ليس الخراب الشامل وحسب، بل والسمعة السيئة للغرب كلّه على مستوى العالم، رغم سيول الهجرة المتدفقة عليه: أوليس العالم الإنساني مملوءاً بالتناقضات؟! إذا آمنت بالغرب صرتَ مثل هنتنغتون والمحافظين الجدد، وإذا كفرتَ به صرتَ مثل كاسترو أو غيفارا. أمارتيا صن يريد فكراً نقدياً وليس خروجاً من نظام العالم الذي لا بديل له!

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كراهية الحرب وكراهية الغرب كراهية الحرب وكراهية الغرب



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon