بقلم : سليمان جودة
تذكرت كتاب الدكتور ميلاد حنا «أعمدة الشخصية المصرية السبعة»، وأنا أتابع أعمال موسم منتدى أصيلة الثقافى الدولى فى المغرب هذه السنة. فالدكتور ميلاد كان قد أصدر كتابه المهم ليقول إن الشخصية المصرية تشكلت عبر تاريخها من انتماءات متعددة، وإنها انتماءات تكاملت مع بعضها البعض، وإن تكاملها قد أنتج الشخصية المصرية فى صورتها الأخيرة. اكتشفالوجهات
كانت انتماءات رأسية مرة وأفقية مرة أخرى، وكانت الأفقية منها تبدأ بالانتماء العربى، ثم تمر بالانتماء الأفريقى، فالإسلامى، وتنتهى بالانتماء المتوسطى بحكم إطلالتها على البحر المتوسط واستقرارها عند شاطئه الجنوبى.
الحديث عن كتاب ميلاد حنا يطول، ولكن معناه يأخذنا إلى منتدى أصيلة الذى أطلق أعمال دورته الجديدة أول الشهر، مشيراً بها إلى أنها دورته السابعة والأربعون، وأنه بانعقادها يواصل طريقه الذى بدأه فى عام ١٩٧٨ على يد المؤسس الوزير محمد بن عيسى.
أصيلة مدينة مغربية صغيرة تنام فى هدوء على كتف المحيط الأطلنطى، ولكن صغرها على مستوى المساحة قياساً على مساحات مُدن المغرب الكبيرة، أو حتى على مستوى عدد سكانها الذى يتجاوز المائة ألف بقليل، لم يمنع أن تكون سُمعتها التى صنعها منتداها واسعة، ولا أن تسبقها شهرتها فى احتضان ألوان الفكر والثقافة والفن مع بدء كل موسم جديد.
ولابد أنها مدينة محظوظة مرتين: مرة بموقعها على المحيط الذى سماه العرب قديماً «بحر الظلمات» عندما اعتقدوا أنه آخر العالم، وأن ما بعده ظلمات ممتدة لا أثر فيها لحياة الناس. ومحظوظة مرة ثانية بمنتداها الذى حمل إسمها إلى كل مكان، وجعل منها «أرضاً للحوار واللقاء»، على حد تعبير الشعار الذى يرفعه موسم هذه السنة.
أما لماذا حضر كتاب الدكتور حنا فى الصورة؟ فلأن أمين عام المنتدى، الأستاذ حاتم البطيوى، اختار للموسم الجديد أن يجعل من هموم القارة السمراء محوراً أساسياً بين محاوره، ثم اختار أن يكون واقع العرب فى لحظتهم الحاضرة محوراً آخر ينطلق منه النقاش ويعود إليه.
يقع المغرب فى أقصى غرب أرض العرب، وكذلك فى أقصى حدود القارة الأفريقية الغربية، ولكن موقعه هذا الذى جعله بعيداً عن المشرق العربى بحساب المسافات، لم يُبعده عن انتمائه العربى، ولم يأخذه إلى ما يجعله بمنأى عن انتمائه الأفريقى، وإنما زاده تمسكاً بأنه عربى الانتماء فى الأساس، وبأن انتماءه العربى لا يُنسيه انتماءه الآخر إلى الأرض الأفريقية، وبأنه لا يتخلى عن الانتماءين فى كل الأحوال والحالات.