ورق المومياوات

ورق المومياوات!

ورق المومياوات!

 السعودية اليوم -

ورق المومياوات

زاهي حواس
بقلم - زاهي حواس

لا يمكن بحال من الأحوال حصر أعداد المومياوات التى تم تصديرها إلى أوروبا فى القرون الوسطى وحتى منتصف القرن التاسع عشر؟! لكن تؤكد الأرقام التى تصل إلى عدة ملايين أن تجارة المومياوات كانت رائجة فى أوروبا لأسباب عدة أهمها؛ وفرة المومياوات ورخص ثمنها! وكذلك توافر الطلب عليها لاستخدامها فى العديد من الصناعات والأغراض المختلفة خاصة الطبية! نعم عزيزى القارئ هذا مقال مؤلم حقاً خاصة ونحن نتحدث عن أجساد أجدادنا التى استغلت كبضاعة قابلة للبيع والشراء بل والتصدير للخارج. حدث ذلك فى زمن لم يكن المصريون يعرفون شيئاً عن تاريخهم بل ويظنون أنهم لا ينتمون إلى هؤلاء الذين حنطوا أجسادهم منذ ألاف السنين، لدرجة أن هناك صور أبيض وأسود لبائعى المومياوات فى الشوارع والأسواق، منها الصورة الشهيرة لصبى يجلس على الأرض عارضاً بعض المومياوات للبيع وقد قام برصها منتصبة واقفة على أقدامها مستندة على جدار من الطوب اللبن بعد أن تم انتهاك حرمتها وحرمة الموت وتعريتها من أكفانها؟! مشهد يجسد ويوثق المأساة التى راحت ضحيتها ملايين المومياوات المصرية.

نعود إلى تجارة المومياوات التى كانت تبدأ بفك لفائف المومياوات وتعرية الأجساد المحنطة بواسطة النباشين والتجار بحثاً عن الحلى والمجوهرات المدفونة بين اللفائف والأجساد أو التى ترتديها المومياء مباشرة على جسدها مثل القلائد والأساور والخواتم وغيرها والمصنوعة من مواد مختلفة من ذهب وأحجار كريمة ونصف كريمة. أما اللفائف الكتانية فكانت تباع أو تصدر تحت مسمى خرق (بكسر الخاء) إلى أوروبا ليتم استخدامها فى إنتاج نوع من الورق البنى. ولم تكن فقط خرق (لفائف) المومياوات تباع لهذا الاستخدام بل كانت الخرق القطنية والكتانية من مخلفات صناعة النسيج تباع لنفس الغرض.

أما بالنسبة للمومياوات نفسها فكانت تباع إما لاستخراج الزيوت التى تستخدم فى كريمات التجميل وترطيب البشرة، أو للصحن واستخدام مسحوق المومياوات فى علاجات مختلفة أهمها علاجات الأمراض الجلدية والتناسلية وعلاج العقم وأمراض الذكورة.

وقد حدث قبيل منتصف القرن التاسع عشر أن ظهرت أزمة نقص فى مواد صناعة الورق بالولايات المتحدة الأمريكية كادت تهدد بتوقف مصانع الورق خاصة بعد أن أوقفت إيطاليا تصدير الخرق القطنية والكتانية الضرورية فى تلك الصناعة. ويقال إن يهودياً يدعى إشعيا ديريك اقترح استيراد لفائف المومياوات من مصر واستخدامها كخرق بديلة وحسب ما قام به من حسابات فإن الاعتماد على خرق المومياوات يمكن أن يؤمن تلك الصناعة لأكثر من عشر سنوات وكان الرطل من خرق المومياوات يباع بـ«سنتان من الدولار» (أقل من قرش صاغ). وبالفعل تبدأ تجارة خرق المومياوات بين مصر وأمريكا إما مباشرة أو عبر وسيط إنجليزى إلى أن حدث ما لم يكن فى الحسبان. فى مصنع شهير لإنتاج الورق البنى والذى كان يستخدم فى تغليف (لف) الأغذية بولاية مين الأمريكية، فوجئ مالك المصنع بأن جميع العمال الذين تعاملوا مع خرق المومياوات المستوردة من مصر قد أصيبوا بالكوليرا! وعلى الفور تم ربط انتشار الوباء فى المدينة وبين خرق المومياوات، لدرجة أنه صدر قرار بوقف استيراد المومياوات أو خرقها من مصر أو استخدامها فى صناعة ورق لف الأطعمة.

الملفت للنظر أن القصة المتناقلة بين الناس وشهود العيان تقول بأن الحادثة وقعت بالفعل فى وقت الحرب الأهلية فى أمريكا (1861 – 1865م)، بينما الثابت من الوثائق هو أن انتشار موجة عارمة من وباء الكوليرا فى أمريكا حدث فيما بين 1852 – 1861م. فهل هذا مجرد اختلاف فى تحديد السنة أم أن القصة يمكن التشكيك فى حدوثها؟ هذا سؤال مهم ولكن المؤكد أنه بالفعل كانت هناك ما يسمى بتجارة خرق المومياوات، والمؤكد أنها كانت تدخل فى صناعة الورق. أما غير المؤكد فهو أن تكون لفائف أو خرق المومياوات كانت تحمل جراثيم نشطة لوباء الكوليرا كل هذه الألاف من السنين؟ وربما كانت الخرق تلوثت من الأيدى غير النظيفة لمصابين بالكوليرا سواء فى مصر أو الموانئ الأمريكية قبيل الوصول للمصنع. وفى ذلك الوقت كان يظن أن الكوليرا تنتشر خلال الهواء الملوث ولم يكن يعرف أنها ترتبط بنظام النظافة الشخصية وتوفر نظم الصرف الصحى المغطى والتى لم تكن منتشرة فى ذلك الوقت لا فى مصر ولا فى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن ما يهمنا من القصة هو أن الظن بانتشار الكوليرا فى أمريكا بسبب المومياوات المصرية أدى إلى تأصيل فكرة الخوف والفزع بل والرعب من المومياوات فى نفوس الأمريكيين وقد أعيد إحياء تلك الفكرة بعد الكشف عن مقبرة توت عنخ أمون فى وادى الملوك سنة 1922 على يد العالم الإنجليزى هيوارد كارتر. لقد تعاملت هوليوود ولا تزال إلى يومنا هذا مع المومياوات كمادة للرعب والخوف من اللعنة، وقد أدى ذلك التعاطى إلى نتيجة عكس المتوقع! فبدلاً من البعد عن المومياوات وتجنب التعامل معها أو بها، ظهر شغف كبير باستكشاف عالم المومياوات ونسج القصص المثيرة حولها لبث مزيد من الإثارة. أمر آخر يتعلق بحجم ما تم فقده من التاريخ المصرى القديم بسبب أعمال النهب الممنهج خاصة فى العصور الوسطى والتى بالطبع لم تتوقف فى عصرنا هذا وإن اعترفنا بأن وتيرتها لم تعد بحال من الأحوال كما كانت فى الماضى. هذا الجزء المفقود وللأبد من التاريخ والحضارة المصرية يمكن فقط ترميمه بالقياس على ما تم الكشف عنه من حضارة الفراعنة أما استعادته فهذا هو المحال.

arabstoday

GMT 08:37 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

لا حرب ولا سلام

GMT 08:33 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

صنايعية مصر

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

عاصفة إبستين!

GMT 08:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ما تمنَّاه حسن مصطفى

GMT 17:06 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

سوق العتبة للكتاب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ورق المومياوات ورق المومياوات



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 03:48 2020 الخميس ,30 كانون الثاني / يناير

التحقيقات تكشف مفاجأة صادمة عن قتيل منزل نانسي عجرم

GMT 02:46 2018 الجمعة ,14 أيلول / سبتمبر

كل ما تحتاجه بشأن حفلة "نوبل للحماقة 2018"

GMT 18:31 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خطوات ديكور سهلة لتزيين جدران المنزل

GMT 11:10 2019 الإثنين ,18 شباط / فبراير

مدربان النصر وأجمك يواجهان الإعلام

GMT 15:16 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أبطال فيلم "يوم مصري" يقتربون من انتهاء تصوير العمل

GMT 05:02 2018 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

سعد الحريري ينبِّه الى أنَّ مفاعيل مؤتمر "سيدر" في خطر

GMT 20:10 2018 الأحد ,21 كانون الثاني / يناير

جمارك مطار برج العرب تحبط محاولة تهريب أجهزة تنصت

GMT 19:34 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أحمد سعد والمغنية الشعبية أمينة يبرزان في حفلة رأس السنة

GMT 09:03 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

اللون الرمادي يعتبر الإطلالة العصرية المناسبة للرجل

GMT 11:37 2017 الثلاثاء ,11 إبريل / نيسان

مصممة إندونيسية تخطف الأنظار بعرضها المميز
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon