نهاية حضارة

نهاية حضارة

نهاية حضارة

 السعودية اليوم -

نهاية حضارة

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

قبل أكثر من 5200 سنة نشأت على ضفاف النيل في مصر مدن حضارية عظيمة تتوفر فيها كل أركان المدينة؛ من وجود نظام حكم داخلي على رأسه حاكم يدير شؤون مدينة الحكم ومناطق نفوذها، والتي هي عبارة عن عدد من القرى الزراعية الخاضعة إدارياً واقتصادياً للمدينة. كانت تلك هي آخر إرهاصات بداية التوحيد السياسي والإداري والاقتصادي لتلك المدن الحضارية ونشأة الدولة. هنا تتجلى العبقرية المصرية لأبطال جهود التوحيد وظهور حضارة دولة للمرة الأولى على كوكب الأرض! لقد استغل أبطال التوحيد -منهم قادة لا نعرف أسماءهم، وآخرون لا نعلم على وجه التأكيد ترتيب وجودهم وفترات حكمهم- استغلوا وحدة اللغة والعِرق والدين التي كانت موجودة بين دويلات المدن في شمال مصر وجنوبها لنجاح فكرة التوحيد وقيام دولة مصر القديمة.

توحدت مدن الدلتا أولاً تحت لواء مدينة بوتو (تل الفراعين حالياً) وبدأت في السعي نحو ضم الجنوب الذي كان هو الآخر قد شارف على تكوين وحدة تحت لواء مدينة «ثيني أو طيني» بالقرب من مدينة أبيدوس. وعلى الرغم من أن إرهاصات الوحدة الأولى من الشمال إلى الجنوب لم يكتب لها الاستمرار فإن تلك الوحدة التي قادها ملوك الجنوب قد تكللت أخيراً بالنجاح، وظهر للمرة الأولى ملك مصري يضع على رأسه التاج المزدوج لعنصري الدولة الموحدة الشمال والجنوب؛ الدلتا والصعيد. وينسب فضل التأسيس إلى ملك مصر الأول حور عحا -حورس المحارب- من دون تقليل من جهود أسلافه.

مع ميلاد الدولة الموحدة تم بعبقرية سياسية فاقت الحدود اختيار موضع العاصمة السياسية الجديدة للدولة المصرية عند نقطة التقاء الشمال والجنوب وبنيت إينب حدج -الجدار الأبيض- في الموضع الذي لا يبعد كثيراً اليوم عن قرية ميت رهينة بمحافظة الجيزة. وقد تغير الاسم إلى «من نفر» بمعنى الأثر الجميل وصارت عند العرب منف، وعند اليونانيين ممفيس.

كتب لهذه الحضارة الناشئة الاستمرار بفضل التطور المستمر والابتكار والتميز الذي كان هو منهج الفراعنة طوال عصورهم. كل فرعون يريد أن يخلد اسمه بعمل يبقى على الأرض ويذكر به. وكان البناء والتشييد هو المجال والسبيل للبقاء والخلود وكانت عبارات «ابنِ لنفسك أو شيد لنفسك أو اعمل نفسك» من العبارات الأكثر شيوعاً في حياة المصريين القدماء عامةً وليس الملوك فقط. كان تخليد الذكرى يأتي بالعمل والإنجاز وكان قانون «الماعت»، ويعني الحق والعدل والنظام هو السائد طوال التاريخ المصري القديم.

حضارة كهذه لم تكن لتنهار وتنتهي بين عشية وضحاها إلا بأمر من السماء، وهو ما لم يحدث لكنها سنّة الحياة، ولأن قانون الدوام لا ينطبق على مخلوق من مخلوقات الله كان لا بد من نهاية للحضارة المصرية القديمة، ولكن كيف تنهار حضارة راسخة في عمق الزمان بنيت على أسس ثابتة من وحدة اللغة والدين والعِرق، والأهم وحدة الفكر والمنهج؟ كان لا بد أن تأخذ النهاية وقتاً طويلاً لكي تكتب، ومع مصر ظلت تلك النهاية تكتب لأكثر من ألف سنة هي الألف الأخيرة من عمر الدولة المصرية القديمة الموحدة قبل 3200 قبل الميلاد. وخلال تلك الألف سنة كانت مصر تظهر المقاومة وتحاول استعادة المجد تارة بعد أخرى، لكنها سُنَّة الحياة ودورة الحضارة التي لا بد أن تأخذ مجراها. فلم تكن عوامل الضعف قد نشأت فقط من داخل المجتمع المصري القديم، بل كانت هناك قوى حضارية شابة جديدة وعفيَّة بدأت تظهر على المسرح العالمي في الشرق الأدنى القديم وما جاوره، وكان لا بد لهذه القوى الناشئة أن تأخذ حظها من التطور والسيطرة، وبالتالي كتبت كلمة النهاية في عام 322 قبل الميلاد بدخول الإسكندر المقدوني إلى مصر وإعلان نفسه ملكاً على مصر، ووضع على رأسه تاجي التوحيد الذي ارتداهما الملك العظيم حور عحا قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة على ميلاد الإسكندر.

arabstoday

GMT 19:45 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية!

GMT 19:43 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

علي سالم البيض... بطل حلمين صارا مستحيلين

GMT 19:42 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

ترامب والتخلص من الإتحاد الأوروبي…

GMT 19:42 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

GMT 19:41 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان

GMT 19:40 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

التجارة الحرام

GMT 19:38 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

إيران... إصلاح النظام لا إسقاط الدولة

GMT 19:35 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

صراع الأحبة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نهاية حضارة نهاية حضارة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - رئيسة وزراء الدنمارك تزور غرينلاند بعد تراجع تهديدات ترمب

GMT 18:48 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 السعودية اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 17:09 2020 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

التعادل السلبي ينهي مباراة تونس ضد السينغال

GMT 21:29 2020 الأحد ,31 أيار / مايو

عباءات للمحجبات من وحي مها منصور

GMT 04:01 2019 الثلاثاء ,23 إبريل / نيسان

سيدة إماراتية تصحو من غيبوبة استمرت 30 عامًا

GMT 11:07 2019 الخميس ,11 إبريل / نيسان

موجة ضحك في مطار أسترالي بسبب سائح صيني

GMT 16:09 2019 الأربعاء ,23 كانون الثاني / يناير

متاجر في اليابان تتوقف عن بيع المجلات الإباحية

GMT 03:35 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

ترامب يطلب من وزارة الدفاع وضع خطة لمهاجمة إيران

GMT 00:04 2019 الأحد ,06 كانون الثاني / يناير

معسكر لفريق "اتحاد جدة" في الدمام والمحترفين ينتظمون

GMT 21:51 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشباب يُعلن تجديد عقد الروماني جامان لمدة موسم واحد

GMT 12:27 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

عادل خزام يكشف عن طريقة توظيفه للمعاني خلال الشعر

GMT 22:47 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أنواع مختلفة من الماء يمكن استخدامها للعناية ببشرة الوجه

GMT 08:43 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الأمير فيصل بن بندر يشرف حفل سفارة تركمانستان

GMT 18:06 2018 الأربعاء ,01 آب / أغسطس

"فن ترجمة الشعر" محاضرة في فنون أبها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon