الكفر بالوطن

الكفر بالوطن!

الكفر بالوطن!

 السعودية اليوم -

الكفر بالوطن

د. آمال موسى
د. آمال موسى

أثناء الانفجار الهائل الذي هز بيروت وأوقعها في مشهد من الخراب والحزن، بلغ الانفعال بعدد من اللبنانيين إلى إعلان أن الهجرة أرحم من البقاء في لبنان وأن لبنان لم يعد المكان الآمن. هذا الخطاب الذي حاولتُ تهذيبه وغض الطرْف عما تضمنه من كفر بالوطن، أصبح ظاهرة في بلدان عربية كثيرة. ففي تونس يتكرر هذا الخطاب بين من يبحث عن أفق لمغادرتها وبين رافض للعودة إلى أرض الوطن.

وأحياناً نسمع كلاماً في تجريح تونس الوطن أو لبنان الوطن أو..... يقشعر له البدن ونصعق من شدة الاحتقان والكفر الشديد بشيء اسمه وطن. وفي مقابل ذلك فإن هذا الخطاب نكاد لا نسمعه من مجتمعات غير عربية وإسلامية.

الواضح أن علاقة شعوبنا بالوطن تعاني من وهن ومن عطب عميق. السؤال مَن أفسد هذه العلاقة وما هي الالتباسات التي وقعت في فخها؟
لنبدأ بالسؤال الثاني: نلاحظ أن هناك نوعاً من الاندغام بين الطبقة الحاكمة والوطن. أي أن الذين يحكمون في بعض البلدان أصبح الناس يتعاملون معهم على أنهم هم الوطن. لذلك فإن حالة الإحباط السياسي التي يعاني منها هؤلاء من إخفاقات الطبقة السياسية الحاكمة هناك من يحولها في وجه الوطن وشحنته الرمزية. أي أن الأوطان تعرف إسقاطات سلبية لا يد لها فيها.
وبناء عليه يمكننا أن نستنتج هول تداعيات الفشل السياسي، خاصة الذي يقترن بالفساد واللامبالاة وبالحسابات غير الوطنية. فالنتيجة قاسية وموجعة باعتبار أن بلوغ الفرد نقطة الكفر بالوطن يعني أنه فرط في قطعة من جسده وتنازل عنها وقطع عضواً عزيزاً يمنحه الحياة الطبيعية.
فالسياسة في بلداننا تجاوزت الانتقادات التي كنا نوجهها لها في العقود الماضية وانتقلت إلى منطقة حمراء خربت فيها تمثلات الوطن وأنتجت حالة شعورية معقدة وغير طبيعية، حيث إن حب الوطن يعني حب الانتماء ويعني الاعتزاز ويعني أن المسار التاريخي للحب يبدأ بالوطن ويتفرع نحو روافد أخرى تنهل منه وتصب فيه.

وهكذا يتضح لنا أن هناك نخباً سياسية حاكمة قد أفسدت علاقة الشعوب بوطنها ومن ثم فقد أسهمت في خلق أجيال معطوبة في وجدانها وينقصها أهم دروس الانتماء وهو درس الانتماء للوطن.
إذن بعيداً عن انتقاد خطاب تهجين الأوطان والكفر بالوطن فإننا نتوقف عند بعض أفكار أهمها أن الاعتقاد في الوطن وتقديس علاقة الانتماء به ليست ثابتة ومقدسة بل هو شعور يخضع للتأثيرات الإيجابية كما السلبية، مما يجعل من حب الوطن ليس أمراً بديهياً مع الأسف بقدر ما هو نتيجة وتفاعلية إيجابية يمكن أن تكون وتكبر ويمكن أن تتلاشى بفعل الإحباطات.

طبعا في تراثنا العربي نجد ما يشير إلى تمجيد الغربة أحيانا وفي تمجيدها استبطان لتهجين الانتماء للوطن ولمسقط الرأس. كما أن تاريخنا المبني على الرحيل بحثاً عن الماء والنبات وما يسد الرمق، سطر ذاكرة تتجاذب بين الاستقرار والهجرة والتنقل. الانتماء كان يعني القبيلة ثم العرق ثم الدين، وعهدنا بفكرة الوطن ليس قديماً بشكل يسمح لها بالتغلغل في الوجدان، بل إن الأوطان في بعدها الجغرافي هي حديثة التقسيم؛ فمن كان ينتمي إلى بلاد الشام بات عليه منذ عقود قليلة جداً أن يحدد أي قطعة في بلاد الشام هي وطنه.

وحتى غرس ثقافة حب الوطن وكيفية البناء الرمزي للعلاقة بالوطن لم تتعهدهما المدرسة بشكل معمق، وارتبط إنتاج الشعر الوطني والأغاني الوطنية بالمناسبات السياسية والانتماء السياسي، الأمر الذي أضفى على المنتوج الفني الخاص بتيمة الوطن شيئا من النفاق لأن السياسة ذاتها في بعض بلادنا على امتداد العقود الماضية اعتمدت بنيويا على التزلف والنفاق.
وكدليل على هذا الكلام أن الكثير من الأغاني المصنفة وطنية في تونس وتم إنتاجها في مرحلة حكم رئيس سابق قد تمت مقاطعتها في وسائل الإعلام وتم التعامل مع أصحابها المطربين بمسافة واتهامات.

يبدو لي أننا نحتاج إلى تفكيك راهن العلاقة بالوطن وتخليص هذه العلاقة من الشوائب والالتباسات وذلك بتعزيز المؤسسات المعنية ببناء العلاقة بالوطن مثل المدرسة وكل ما يخص الإنتاجات الثقافية.

من جهة ثانية قد أصبح مؤكداً أنه لا يمكن أن يستمر الواقع السياسي المستخف بالشعوب وكشفت التجارب المريرة أهمية السياسة في تشويه الإنسان في بلداننا. فكل فرد يعاني من الإقصاء والتهميش ولا ينعم بالحد الأدنى من الكرامة في وطنه هو مشروع عدو لوطنه وليس عاشقاً كما يجب أن يكون. بمعنى آخر فإن العاطل عن العمل هو يعاني من عدم الاعتراف به اجتماعياً فيكون الاحتجاج والانشقاق عن الوطن.

إن تبرير حالة الكفر بالوطن والبحث عن الأسباب التي أنتجتها لا يجعلان من هذه الحالة مقبولة لأن بلوغها يعني تمرير خطاب سلبي وفقير للأجيال القادمة، ويعني أن أوطاننا على كف الاحتقان والانشقاق والكراهية. فكل شيء كي يدوم يحتاج إلى الحب.

 

arabstoday

GMT 15:22 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

بماذا ولماذا ستنصر روسيا والصين إيران؟!

GMT 10:40 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

السعودية تقلب المعادلة

GMT 08:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 00:55 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

«الرؤية»... ما لم يفهمه الغافلون

GMT 11:45 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكفر بالوطن الكفر بالوطن



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - السعودية اليوم
 السعودية اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:15 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 19:00 2018 السبت ,28 تموز / يوليو

ردود أفعال الأمهات عند بكاء الرضيع

GMT 22:10 2017 السبت ,21 كانون الثاني / يناير

"الكوكاكولا" تساعد المرأة في الحصول على الشعر المموج

GMT 12:38 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

رئيس الفيفا في زيارة رسمية للجزائر

GMT 11:54 2018 الخميس ,13 كانون الأول / ديسمبر

النصر يريد نقل مباراة الجندل إلى مدينة الرياض
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon