السعودية تقلب المعادلة

السعودية تقلب المعادلة

السعودية تقلب المعادلة

 السعودية اليوم -

السعودية تقلب المعادلة

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

خبر ينعش القلب قرار السعودية، ترسيخ مكانة العربية لغةً رسميةً وإلزام جميع الجهات الحكومية والخاصة باستخدامها في (تعاملاتها كافة). «السياسة الوطنية للغة العربية» التي أُعلن عنها ستكون مرجعاً لتنظيم حضور العربية في التعليم، الإعلام، قطاع الأعمال، والمشهد العام. أي خبر سعيد هذا! سينعكس كأحجار الدومينو على المنطقة بأسرها، بعد أن بلغت العربية دركاً سحيقاً.

في لبنان كُثُر يتباهون بأنهم يتكلمون لغة هجينة، وهذا عجيب. دول أخرى يحتاج فيها العربي إلى مترجم كي يسلّك معاملاته. أسماء أفلام بالإنجليزية؛ بحجة تسهيل انتشارها العالمي، برامج تلفزيونية تخلط اللغات عمداً كي تجاري الموجة، مطاعم تأنف أن يكون لاسمها رنين عربي؛ مخافة خسارة الرواد. الانسحاق الدوني أقنع عائلات بالتحدث مع أطفالهم بإنجليزية مكسّرة فقط لمجاراة العقد المستشرية. جيل بأكمله لا يكتب بالعربية، بكل فخر، ولا يقرأ فيها، بل لا يريد. بيانات صحافية، رسائل إلكترونية، فواتير، كتيبات معارض تشكيلية وحفلات، دراسات علمية، مؤتمرات بأمها وأبيها، كلها بالإنجليزية. شاهدت بأم العين عرباً يفضّلون الحضور العقيم كالطرشان، على استخدام سمّاعات الترجمة؛ فقط كي لا يبدون أقل من الآخرين. أطباء فقدوا قدرتهم على إيصال المعلومات لمرضاهم؛ لأنهم يجهلون المصطلحات بالعربية أصلاً، مع أنه يتبين أن التعاطي باللغة الأم يقلل الأخطاء الطبية إلى الثلث. لكنها حالة عامة مستشرية تنذر بانهيار ثقافي. الوضع مأساوي لمن يتأمل ويتفكّر، أن يصبح التحدث بعربية متشظية مع تأتأة وتعثر، وتفرنج في النطق من دلالات الرقي الاجتماعي والرفعة العلمية.

أن تقود السعودية سفينة النجاة بما لها من قوة اقتصادية، وديموغرافيا بشرية، ومكانة دينية، ليس كدولة صغيرة مهيضة. سيجد محبو الربح أنفسهم أمام تحدي تعريب أنفسهم، وإعادة سليقتهم إلى نِصابها، ليكونوا جزءاً من سوق مغرية، حتى ولو مرغمين. شركات عالمية مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» ومثيلاتها، مكاتبها بالمئات في المنطقة، ستضطر لدوافع تجارية إلى تطوير المزيد من الأدوات التي تدعم العربية؛ ما يشكل إفادة كبرى لسكان 22 دولة عربية. وهي كذلك مرغمة على إعطاء الأولوية لموظفين يعرفون لغة البلاد؛ ما يفتح نافذة وظائف بالجملة لسعوديين وعرب كانوا مستبعدين، لأن لا حاجة لهم ولا لكفاءاتهم، بما أن مَن ينوبون عنهم كثر. مجرد البدء بخطوات قليلة سيجرّ كماً هائلاً من الفوائد غير المنظورة.

نتعامل مع اللغة كالملح والبهار في حين هي الطبق الرئيسي على موائد الأمم. صرفت فرنسا المليارات لنشر لغتها وتجميل صورة فرانكوفونيتها، وروَّجت أميركا للإنجليزية بافتتاح مئات الجامعات حول العالم، ولم تترك وسيلة إلا واستخدمتها لتجعل الحلم الأميركي قرينها، لا، بل باتت هي الحلم نفسه. الصين عزَّزت طريق الحرير بافتتاح ما يقارب 500 «مركز كونفوشيوس» لتعليم الماندرين في 160 دولة. أما العربية فبقيت يتيمة ومن يريدون تعلمها، لا يجدون بوصلتهم. كل منهم يتوجه إلى دولة عربية سمع أن فيها مَن يمكن أن يقدّم الفائدة المرتجاة، في ظل نقص المناهج. هل يصحّ أن «معهد العالم العربي» في باريس، التقط الفرصة قبلنا، طوَّر أساليبه التعليمية، وخرّج دفعات من بينهم كلير لو جاندر التي عُيّنت حديثاً رئيسةً جديدة للمعهد. افتخرت «الخارجية الفرنسية» في تغريدة لها على «إكس» بأن الرئيسة تتحدث العربية «اللغة المركزية في الدبلوماسية الفرنسية»، وأن شهادتها التي نالتها من المعهد عام 2021 هي من الأهمية بحيث أهَّلتها لأن تتولى هذا المركز المرموق.

ما يؤمّل فعلاً، أن تتمكن الاستراتيجية اللغوية الجديدة للمملكة العربية السعودية من تطوير أفضل المناهج، وافتتاح أمهر المعاهد لتعليم العربية، وأن يصبح تعريب المواد العلمية للمرة الأولى همّاً عربياً مشتركاً. وهي إن طبقت بالحزم المعلن عنه، بجهود مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي له باع طويل ومشرّف في هذا المضمار، فإن المشهد يمكن أن يتغيّر بسرعة. الناس في عميق نفوسهم، في عطش إلى لغتهم التي هي بيتهم، وفي حاجة إلى أن تزاح غلالة شفيفة عن أبصارهم؛ ليدركوا قيمة هويتهم التي لا تكتمل دون الاعتزاز بلسانها.

وقبل أن يخرج علينا دعاة التفرنج، ويرموننا بحجة التعصب والانغلاق، فإن إجادتنا لغتنا، وتحدثنا إياها، وكتابتنا فيها من دون ارتباك أو خجل، وكأنها عار نخشاه، هو من اكتمال إنسانيتنا، كما كل أمم الأرض. أما تعلم اللغات الأجنبية، فباب فسيح للإطلالة على الآخر، ووعي الذهنيات، وتسهيل التعاطي مع الشعوب بفهم ثقافتها، وإدراك مغاليقها. وهو محبب ومحمود، لا، بل ويشجع. أما ما نعيشه، فهو إنكار مرضي للذات، ومحاولة عرجاء للتشبه بالآخر، بألسن معوجّة وعقول مرتجّة، لا تدرك في نهاية المطاف ذاتها، ولا تصل لأن تتصالح مع غيرها.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية تقلب المعادلة السعودية تقلب المعادلة



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon