الهويات الصانعة للصراع

الهويات الصانعة للصراع

الهويات الصانعة للصراع

 السعودية اليوم -

الهويات الصانعة للصراع

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

الهوية في أبعادها المختلفة، سواء الفردية أو الجمعية، إنما تعد مسألة غاية في الخطورة والحساسية. فكل بُعد من أبعاد الهوية يُبنى من خلال تمثلات وأفكار ينتقل معظمها عن طريق مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تعمل على إعادة إنتاج الهويات.

لنبدأ بتوضيح نقطة مهمة، وهي أن الهوية أمر رائع: الإنسان وحده يبني هويته بالعقل والرمز والثقافة والاندماج الاجتماعي، فالهوية هي بطاقة تعريف رمزية، بها تتحدد الملامح التي هي دليل عظمة الإنسان في إرثه الثقافي العميق الشاسع العريق.

إلى حد هذا المستوى من معنى الهوية التي من خلالها يجيب الفرد عن سؤال: «من أنا؟»، فإنها تبدو مصدر كتابة الأفراد والشعوب والجماعات لسردياتهم، وهذا أمر جيد ورائع كما أسلفنا الوصف.

ما يخبرنا به التاريخ هو أن مسؤولية الهوية يتحملها الكم الهائل من الحروب التي اندلعت والصراعات التي احتدمت ولا تزال. وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى التجربة الأوروبية في كيفية طي ملف الصراعات ذات الفتيل العرقي والطائفي؛ حيث جرى غلق هذا الباب والتأسيس لهوية مفتوحة تُولي العناية للتاريخ المشترك أكثر من أي مقوم آخر، الأمر الذي أدّى إلى بناء بيئات اجتماعية وسياسية تقوم على فكرة قديمة جداً أطلقها أرسطو، وهي فكرة التعايش المشترك السلمي. فالوعي بشروط النهضة والتقدم ومعاني التحديث والمواطنة، حتّم اقتلاع ثقافة الهوية النّقية من جذورها. وللحقيقة، فقد نجحت أوروبا نجاحاً باهراً في معالجة أخطر الملفات: ملف الهويات المتعددة، وقطعت السبيل أمام تصادم الهويات.

وكي نفهم أهمية الإنجاز الأوروبي في موضوع الهوية فإن هذه القارة العجوز، حاضنة للثقافات القديمة التي عرفت مسارات من الهجرة، تتميز بالتنوع العرقي والثقافي والديني والطائفي، ذلك أننا نجد أعراق الجرمان واللاتين والسلاف، إضافة إلى نحو 3 في المائة من أصول غير أوروبية. وعلى المستوى الديني، نجد ثلث الأوروبيين من الكاثوليك والربع من الأرثوذكس وأكثر من العشر من البروتستانت وأقل من الربع يعدون من اللادينيين إلى جانب أقليات دينية أخرى.

يمكن القول إن أوروبا نجحت في استثمار هذا التنوع في نحت أوروبا التي أصبحت عليها، وطوت صفحات دموية ومظلمة من تاريخها والصراعات العديمة الجدوى، واليوم فكرة المواطنة هي الهوية الجامعة.

في مقابل معالجة أوروبا بوصفها مثالاً لمصدر تسرب فتيل الصراعات وإهدار عملية التعايش السلمي في التقوقع في الهوية المتوهمة للنقاء المستحيل، فإن منطقة الشرق الأوسط لا تزال عالقة في حبال الصراعات التي تغذيها الهويات الدينية والمذهبية والعرقية، وهنا تكمن نقطة ضعف منطقة الشرق الأوسط وفشلها في التحول إلى نقطة قوة وثراء. فهذه المنطقة التي شهدت مهد الأديان السماوية، وذات المجتمعات المسلمة بنسبة أغلبية مطلقة تقدر بأكثر من 90 في المائة، تعيش على وقع صراعات دائمة ومكلفة بشرياً، لأن الأعداء والخصوم يُجيدون إثارة الفتن ذات الفتيل الهوياتي. وهي إجادة ما كانت لتحدث لولا التربة الخصبة، ولو عالجت شعوب الشرق الأوسط ملف التعدد العرقي والطائفي بحكمة ووعي، ونقلته من المدار الجمعي إلى الفردي، وتم الاشتغال على ما يوحّد لكان تحول التنوع العرقي والطائفي إلى رأسمال للربح والتقدم والثراء.

إن الكثير مما يحدث في منطقة الشرق الأوسط دليل على أن المنطقة لم تحسم أهم مشكلة، ولم تنجح بعد في معالجة سبب صراعات عدة، تتسبب بدورها في حالة من عدم الاستقرار والتعايش. والمشكلة الأكبر أن الصراعات الحاصلة تزيد في الأحقاد الهوياتية، وتؤكد خيار الهويات المنكمشة على نفسها، وهو ما يمنع الالتفاف الجمعي حول راية واحدة ومشروع وطني واحد وأفق واحد... وكل هذا يعدّ حجر عثرة أمام البناء والتنمية والتقدم.

أيضاً هناك ثنائية الهويات المهيمنة، وهويات الأقليات التي تحتاج إلى معالجة من الجذور؛ لأنها فكرة مولدة للصراع وللعنف، وتاريخ منطقة الشرق الأوسط وحاضرها يشهدان على ذلك. كما أن تقسيم الحكم على أساس المحاصصة العرقية والدينية لم يثبت نجاعة تذكر، وهو ما يعني أنه لا بد من الإقلاع عن التفكير داخل سجون الهويات والاحتكام إلى مقوم يُعزز مشاعر الانتماء للوطن، وهو التاريخ المشترك الذي يحفظ مقومات العيش المشترك.

إن الاستمرار في الإذعان للهويات التي تُركز على العرقي والطائفي يعني الاستمرار في الصراعات واستحالة بناء شرق أوسط مستقر وصالح للنماء والتقدم.

كما أن التعلق بالتركيب الهوياتي العرقي والطائفي سيجعل من منطقة غنية وعريقة ومميزة في العالم منطقة سهلة الإثارة ومكشوفة نقاط الضعف؛ حيث يكفي تحريك أي جمرة حتى يحصل اللهيب.

الخلاصة: كفى تحويلاً للتنوع العرقي والديني من مصدر ثراء إلى سبب للصراع والدم. وكفى تحويلاً للذهب الخالص إلى قنابل للموت.

arabstoday

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

GMT 12:57 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

سعد والعوضي وإمام.. من هو «نمبر وان»؟

GMT 02:38 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

العودة إلى لبنان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهويات الصانعة للصراع الهويات الصانعة للصراع



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 19:21 2013 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

هاني شاكر ينفي طرده من أحد الأندية لتعاطي المخدِّرات

GMT 08:54 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 07:45 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

حالة الطقس المتوقعة ليوم الأحد في بغداد

GMT 12:57 2013 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

جيزال خوري تنضم إلى فريق عمل "بي بي سي" العربيّة

GMT 11:33 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يحصد المركز الخامس في مونديال الأندية

GMT 01:51 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

حكيم يعرب عن سعادته بنجاح حفلته في برشلونة

GMT 20:59 2017 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

"ربحنا بكري"

GMT 17:37 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

شاومي تطلق 3 هواتف لعائلة Redmi بإمكانات جبارة

GMT 15:45 2020 الخميس ,16 إبريل / نيسان

سفن محملة بالقمح في طريقها إلى مصر

GMT 22:04 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

جنود الجيش الروسي يتزودون بساعات ذكية

GMT 11:46 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

"هواوي" تكشف عن إطلاق نسخة مطورة من "مات إكس" المطوي في 2020

GMT 13:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يسطع نجمك في هذا الاسبوع الدسم بحظوظه

GMT 13:46 2019 الأربعاء ,14 آب / أغسطس

"طيران الجزيرة" تواصل توسيع شبكة وجهاتها

GMT 06:44 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

تألقي بأجمل فساتين زفاف موضة ربيع 2020

GMT 15:20 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

تسمم 25 شخصًا بسبب وجبة فاسدة في الغربية

GMT 07:39 2019 الخميس ,28 آذار/ مارس

مجموعة مجوهرات L’esprit Du Lion من Chanel

GMT 06:55 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

بريطانية تخضع للعلاج 8 شهور بسبب "غباء مُصفف"

GMT 23:09 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الأردن ترفع تمثيله الدبلوماسي لدى سورية

GMT 17:23 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

آل سويلم يبدي استياءه من أرضية ملعب الملك فهد الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon