الانتباه واستسلام البشرية للثورة الرقميّة

الانتباه... واستسلام البشرية للثورة الرقميّة

الانتباه... واستسلام البشرية للثورة الرقميّة

 السعودية اليوم -

الانتباه واستسلام البشرية للثورة الرقميّة

آمال موسى
بقلم:د. آمال موسى

صحيح أن «الثورة الرقميّة» غيّرت حياة النّاس، وحققت بشكل تقريبي ما تُسمى «ديمقراطية المعلومة»، وجعلت الخبر في متناول الباحثين عنه بشكل أسرع، وجسّدت فعلياً فكرة أن العالم قرية صغيرة... لكن غالب الظن أن إنجازات هذه الثورة تجاوزت ما رُصد حتى الآن؛ إلى ما هو أَدَلّ وأقوى.

لا شك في أهمية وجدوى التركيز على التحول النوعي الهائل في الأبعاد المادية لحياة البشر اليومية، حيث لا يمكن إنكار الآثار الإيجابية للثورة الرقمية في مجالات الدراسة والعمل وتقريب المسافات، حتى إننا أصبحنا نمارس التعليم عن بُعد، والعمل عن بُعد... حتى مفهوم العمل قد اختلف، وأصبحت إدارة العلاقات الاجتماعية تتشكل بمقاربة أعلى مرونة... ولكن إلى جانب كل هذه الانتصارات الساحقة للثورة الرقمية، التي لم نتوقف إلا عند المتداول منها بين عموم الناس، فإن هناك جوانب أخرى نعتقد أنها لا تلقى «الانتباه» الذي تستحقه...

الثورة الرقمية فعّلت لدى البشرية ميزة «الانتباه». نعم؛ الإنسان كائن يتميز بالقدرة على الانتباه؛ لذلك أضافت الثورة الرقمية إلى مجموعة الاقتصادات القائمة ما يسمى «اقتصاد الانتباه». في هذا النوع من «الاقتصاد» يكون «الانتباه» هو «السلعة»، وهو جوهر معركة العرض والطلب، وهو الهدف الذي يتحقق به الربح الوفير. لذلك؛ يمكن القول إن الثورة الرقمية «فعّلت الانتباه» لدى البشرية؛ لتعود وتستغله اقتصادياً.

منذ السبعينات، بدأ مفهوم «اقتصاد الانتباه» يتسرب شيئاً فشيئاً، حتى أصبح مفهوماً بارزاً مستقلاً محددَ المفاهيمِ والأعلامِ والأسسِ النظرية. والتسمية، كما هي ظاهرة، تُلخص بشكل جيد وبليغ مجال اهتمام «اقتصاد الانتباه»، الذي يتعاطى مع «الانتباه» على أنه مورد ثمين يتنافس عليه المستثمرون الكبار... والذي يفوز في مناقصة جذب الانتباه والاستحواذ عليه؛ فهو رابحُ هذه المنافسة غير المعلَنة.

ليست سهلةً ملاحظةُ أن «اقتصاد السوق» بات يستهدف انتباه الإنسان ويستثمر فيه. إننا أمام واقع جديد أنتجته الثورة الرقمية وتكنولوجيا وسائل الاتصال والإعلام.

يذكر أننا لم نستفق بعدُ من التأثير القوي لوسائل الاتصال التي تعمل على تأكيد التأثير القوي لمحتوى وسائل الإعلام؛ حتى انتقلنا إلى اقتصاد يقوم على «استمالة انتباه الإنسان». في ظننا أن آليات التأثير القوي؛ المتمثلة في الدعاية وما يتعلق بها، قد انخفض مفعولها كثيراً؛ لأن الجمهور ليس سلبياً؛ ولأن نسبة التَّمَدْرُس ارتفعت، ولأن الفرد لديه خيار الضغط على الزر.

سياسياً؛ كان «الرأي» هو المستهدَف؛ لذلك قضينا عقوداً تحت تأثير الدعاية السياسية وكيفية تشكيل الرأي العام، وقامت صناعة كاملة هدفها الأساسي «الرأي العام».

واقتصادياً؛ تراكمت نظريات التأثير على السلوك الاستهلاكي للأفراد، ولكن بقيت دائماً قدرة الأفراد على التفطّن إلى دهاء التسويق.

منذ سنوات جرى الانتقال من مرحلة صناعة الرأي العام والتأثير في كيفية تصرف الفرد بماله وميزانيته، إلى طور آخر لا يكتفي، كما كانت الحال سابقاً، بمالِ المواطن ورأيِه وصوتِه السياسي، حتى وصل الأمر إلى صناعة ثقيلة تستهدف: «انتباه الفرد».

ومما يجعل التهديدات التي يواجهها «انتباهُ الإنسان» اليوم جديةً للغاية، وفرةُ المعلومات وتوالدها الفائق الكثافة؛ مما يمثل ضغطاً على «الانتباه» يؤدي إلى اضطرابه لاحقاً.

والحال أن «انتباه الفرد هو خلاصة المهارات الإدراكية والمعرفية والتفاعلية الرمزية»؛ الأمر الذي يحوله في معجم «اقتصاد الانتباه» عملةً نادرة، وسط أمواج من المنافسات التي لا تحصى.

لذلك؛ فإن الثورة الرقمية؛ من هذا المنظور المسكوت عنه، إنما تعمل على «تشتيت؛ وأحياناً استعباد، انتباه الفرد» و«القضاء على الملكية الذهنية»، بشكل يجعل «اقتصاد الانتباه» يتحكم في الإنسان بالكامل. ومهما كان الانتباه مستقلاً وأصيلاً وعاليَ الفطنةِ والتوليدِ العقلي؛ فإن تسونامي المحتويات والمعلومات أقوى، خصوصاً أن آليات «اقتصاد الانتباه» مختلفة عن آليات التسويق والدعاية.

أصبح المحتوى - أياً يكن - لا يقاس بقيمته وجودته ومضمونه، بل بمدى قدرته على جذب الانتباه والاستحواذ عليه أو على معظمه. وهذا يقذف بنا في مرحلة شرسة لـ«استعباد انتباه الإنسان».

لنتذكر جيداً أن «انتباه الإنسان» أغلى ما يمكن أن يملكه؛ فنحن نفكر من خلال «ما ننتبه إليه». و«الانتباه» ميزة ثمينة من المهم أن تظل في قبضة صاحبها؛ لا أن تكون موضوعاً للتنافس والاستحواذ. وما يجب التأكيد عليه هو أن «تحويلَ الميزةِ سلعةً خسارةٌ للفرد وللإنسانية».

في «اقتصاد السوق» كل شيء يمكن أن يكون «سلعة»؛ بما في ذلك «الانتباه». لذلك؛ فإن استسلام البشرية للثورة الرقميّة أخطر ما عرفه الإنسان حتى الساعة.

 

arabstoday

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 20:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 20:20 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الانتباه واستسلام البشرية للثورة الرقميّة الانتباه واستسلام البشرية للثورة الرقميّة



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 19:05 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 06:16 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

ضغوط مختلفة تؤثر على معنوياتك أو حماستك

GMT 06:31 2013 الخميس ,14 آذار/ مارس

الفقمة تنام بنصف دماغ فقط

GMT 18:31 2015 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تنفي إقامة حفل في الجزائر

GMT 02:54 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

تباين في إغلاق الأسهم الأميركية

GMT 12:48 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

دي روسي ينتظر حسم مستقبله في نادي روما

GMT 05:14 2015 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

2016 عام المال والعواطف للحمل والسفر والفراق للجوزاء

GMT 17:26 2017 السبت ,27 أيار / مايو

مواعيد عرض مسلسلات "MBC مصر" في رمضان

GMT 14:07 2017 السبت ,05 آب / أغسطس

العبادي يزور محافظة بابل مساء اليوم

GMT 00:58 2017 الثلاثاء ,05 أيلول / سبتمبر

منه فضالي مشغولة مع بوسي في "الحب الحرام"

GMT 05:22 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

لن نتوقف

GMT 02:13 2020 الأحد ,05 كانون الثاني / يناير

6 أفكار ديكور لإخفاء أسلاك الكهرباء بصورة محببة

GMT 15:25 2019 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

هواوي تنشر أول فيديو دعائي لـ matepad pro
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon