بقلم - أمينة خيري
مازلت على قناعة تامة بأن نوعيات عديدة من الحوادث ليست مجرد حوادث مؤسفة تنتهى بانتقال الشرطة إلى المكان، أو فتح ملف تحقيق، أو حتى بالحكم على من تثبت إدانته، بل هى أحداث كاشفة عن مواطن خلل أو أعراض علل فى المجتمع. هذا الخلل وهذه العلل ستظل تتوسع وتتوغل وتتغول فى المجتمع، لتتكرر وتزداد حدة وانتشارًا.
ما تتعرض له النساء والفتيات مثلًا من تعدٍّ سافر وواضح بشكل يومى فى الشوارع ووسائل المواصلات وعلى السوشيال ميديا من تدخل فى شؤونهن وحياتهن واختياراتهن، وتطور الأمر ليتحول لا إلى سكوت مجتمعى على تجرؤ البعض على إشهار هذا التدخل علنًا، مثل «فتاة الأتوبيس» و«سيدة المترو» وغيرهما، والمتمثل هنا فى اختيار طريقة الجلوس وماذا عليها أن ترتدى أو لا ترتدى، بل إلى مباركة تصرف المعتدى والدفاع عنه ووضع السيدة أو الفتاة فى خانة الاتهام، والتنمر عليها والسخرية منها وتوجيه السباب والشتائم إليها، كل ما سبق يستحق دراسة لمعرفة ما جرى فى المجتمع، لاسيما أن عمليات الاعتداء الفكرى والثقافى والنفسى على الإناث تشارك فيها نساء كذلك.
ومن كراهية المرأة والشابة والطفلة، ولكن من باب التكريم الدينى حينًا، وتحت مسمى العادات والتقاليد حينًا آخر، وكلاهما لم يكن موجودًا بهذا الشكل العبثى والإجرامى والعنيف حتى السبعينيات، إلى حتمية تحليل ودراسة وفهم العوامل والأسباب التى تجعل شخصًا يزدرى المهنة التى ينتمى إليها، ويُقبل على تخريب وتقبيح وتشويه مكوناتها، والإساءة إلى آدابها، وضرب عرض الحائط بقواعدها وقوانينها.
أرى السائق الذى يقرر أن يسير عكس الاتجاه، ويدافع عن «إجرامه» بأن الطريق فاضى، أو أنه «سيخطف بضعة أمتار فقط»، أو «وإيه المشكلة يعنى؟» أو «ما جاتش عليا»، شخصًا لا يستحق المحاكمة بتهمة الشروع فى قتل فقط، ولكن يجب إحالته إلى طبيب نفسى لتقييم قواه العقلية.
توليفة الإجرام، مع الحالة العقلية، مع ظاهرة ازدراء البعض لمهنته التى ينتمى إليها تجسدت أمامى أثناء متابعة ما فعله «المرشد السياحى» الذى خرب أثرًا بالطباشير، وحين اعترض أحدهم، لم يأبه. وزاد الطين بلة بأنه شرح أسباب فعلته، أو بررها بعد ذلك، بأنه «لم ينزل شغل من أربع سنوات».
هذه الخلطة الشيطانية الجهنمية من فقدان شخص معنى وقيمة وأهمية ما يفعل، وسيطرة اللامبالاة والتبلد على قلبه وعقله، وإيمانه العميق بأن هذه الآثار «حفنة من تراب»، ناهيك عن «عذر الغلب القاتل» إذ لم يفكر مرتين قبل دغدغة المشاعر الشعبية حيث «المسكين» لا يعمل منذ أربع سنوات، أى علينا أن نغفر له فورًا.
ألا يستحق مثل هذا الشخص- وغيره- دراسة متأنية لمعرفة الخلل وعلاج العلة. ما الذى يجعل مرشدًا سياحيًا، يفترض أنه أدرى الناس بقيمة الآثار، وأكثرهم حرصًا على حمايتها، وإيمانًا بقيمتها، هو نفسه المعتدى عليها، والمبرر فعلته القبيحة بأنه «ما نزلش شغل من أربع سنين»؟!