قرر وزراء الثقافة العرب، في اجتماعهم الأخير بالكويت، أن تكون مدينة بنغازي عاصمة للثقافة العربية لعام 2026. نهنئ الثقافة العربية بهذا الاختيار، بقدر ما نهنئ مدينة بنغازي به.
برقة كانت عبر التاريخ، منارة للثقافة العربية والمتوسطية، بمدنها الإغريقية الخمس. قورينا كانت أكبر المدن الخمس التي أسسها الإغريق، وأكثرها تطوراً وعمراناً وازدهاراً وفكراً. بُنيت فيها المعابد والمدرجات، وكانوا يسمونها أثينا الأفريقية. تأسست فيها مدرسة فلسفية عُرفت بالمدرسة القورينائية. أسسها الفيلسوف أرستيبوس القورينائي، الذي وُلد بقورينا عام 435 قبل الميلاد، كما تؤكد المصادر التاريخية. سافر إلى اليونان وتعرف إلى السفسطائيين، ولازم سقراط حتى إعدامه، وأصبح معلماً للحكمة وأسس مذهب اللذة، وتبنى مذهبه الفيلسوف أبيقور، الذي يقول إن المنفعة هي مقياس أي نشاط إنساني؛ أي العبرة بنتيجة العمل. أثرت فلسفته في العصر الهلنستي ومدرسة الإسكندرية والعصر الروماني، وظهر تأثير فلسفته في القرن الثامن عشر على جيرمي بنثام وجون ستيوارت ميل. الفيلسوفة أريتي ابنة أرستيبوس، تُعد من أوائل الفيلسوفات في التاريخ، واصلت تعليم فلسفة والدها، وطورت منهجه.
قدمت قورينا العديد من الفلاسفة، الذين أثْروا الحضارة الإنسانية، من بينهم هيغيسياس فيلسوف التشاؤم، الذي كرَّس أفكاره للبحث في مأساة الحياة، التي تفيض بالألم والمعاناة، وأن الموت هو المخلّص الحقيقي، من معاناة الحياة. الإمبراطور بطليموس منعه من إلقاء المحاضرات، بسبب تأثير أفكاره السلبية على الشباب.
وفيلسوف الإلحاد ثيودور القورينائي، الذي سخَّر فكره لمهاجمة الأديان، كان له حضور كبير في الفلسفة اليونانية، وله مدرسة لم تعمر طويلاً في قورينا وأثينا.
والقديس يوحنا مرقص، كاتب أحد الأناجيل الأربعة، وُلد في قورينا وانتقل إلى القدس ثم إلى مصر.
والقديس آريوس وُلد بقورينا في القرن الرابع الميلادي، ورفض منهج الثالوث في المسيحية، وأدت أفكاره إلى عقد مجمع نيقية الذي رفض أفكار آريوس.
ظلَّت قورينا؛ أي برقة وعاصمتها بنغازي، لعقود طويلة، الفنار الفلسفي والفكري، الذي يشع على ضفاف البحر المتوسط، وتمتد أضواؤه إلى الشمال والغرب والجنوب.
في القرن التاسع عشر أسس، الشيخ محمد بن علي السنوسي، حركته الصوفية الإصلاحية الدينية، ونشطت الحركة في برقة، وانتشرت الزوايا السنوسية في أنحاء ليبيا وتونس والسودان ومصر والحجاز وأفريقيا، تدرّس القرآن الكريم وتنشر الإصلاح الديني.
وفي السودان كان للحركة السنوسية تأثير ديني وسياسي، وبرز ذلك في الحركة المهدية، وفي مصر كانت السنوسية ملهمة لحركة «الإخوان المسلمين». وقادت الحركة السنوسية «الجهاد» ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا، والفرنسي في أفريقيا. في كل بلدان العالم هناك مناطق ومدن تنطلق منها أضواء التفكير والتغيير. فلورنسا في إيطاليا، ومدرسة فرانكفورت في ألمانيا، وكذلك برلين، وفاس والإسكندرية وبغداد ودمشق والبصرة والقيروان، وغيرها الكثير.
بعد استقلال ليبيا بسنوات قليلة، تأسست في مدينة بنغازي الجامعة الليبية عام 1955، وتبرع الملك إدريس السنوسي بقصره المنار، ليكون مقراً لها. ورغم الظروف المالية الصعبة التي تعيشها البلاد الحديثة الاستقلال في تلك الفترة، اندفعت الحكومة إلى جلب كبار الأساتذة العرب، للتعليم في هذا الصرح التعليمي الوليد. استمرت هذه السياسة لسنوات طويلة. أساتذة من سوريا بينهم محسن الشيشكلي وياسين طربرش وهاني المبارك، ومن العراق مجدي خدوري وكريم متى وخالد الشاوي وحسام الدين الآلوسي، ومن مصر أكثر من أربعين أستاذاً كبيراً، من بينهم محمد أبو ريدة ومحمد طه الحاجري وعلي عيسى وأحمد الخشاب وعثمان أمين وعبد الرحمن بدوي وعبد القادر القط وأحمد فؤاد الأهواني، ومن الأردن ناصر الدين الأسد، ومن لبنان هاشم حيدر، ومن تونس الهادي الكبير. وغيرهم من الهند وتركيا وباكستان.
عام 1962، سُئل الدكتور طه حسين: ما أحسن جامعة في البلاد العربية؟ أجاب بأنها الجامعة الليبية في بنغازي. بنغازي عاصمة الثقافة العربية لهذا العام، كانت دائماً منارة للشعر بفرعيه: الشعبي والعربي الفصيح. كوكبة لامعة من الشعراء سطروا الدواوين الشعرية التي تحيا في القلوب والعقول.
لضيق مساحة هذه الصفحة، أكتفي بذكر بعضهم: شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي وإبراهيم الأسطى عمر ورجب الماجري وعلي الفزاني ومحمد الشلطامي وعبد ربه الغناي وراشد الزبير السنوسي وغيرهم.
في ستينات القرن الماضي، عاشت ليبيا عقداً من النهضة الصحافية المتميزة؛ صحف رسمية وخاصة. برز كتّاب ليبيون كبار، منهم في بنغازي: الصادق النيهوم وخليفة الفاخري ومحمد أحمد وريت وأحمد الحريري وعبد الحميد البكوش، وكتاب عرب منهم سمير عطالله وبكر عويضة وخالد محادين ويوسف حسين وعبد القادر الإدريسي ومحمد سلمان ومصطفى غنيم وغيرهم.
في الموسيقى والغناء والمسرح كانت لبنغازي ومضات مجددة ومتجددة.
بنغازي العربية كانت، عبر العصور، منارة للعلم والفلسفة والثقافة، مؤهلة لأنْ تكون منصة لانطلاق ضوء وعي نهضوي، يوقظ ليبيا من غفوتها بناقوس الثقافة، وأن تكون منارة عربية للإبداع والثقافة والفكر.
ننتظر أن تشهد مدينة العرب في هذا العام فعاليات فنية وأدبية وملتقيات تجمع المبدعين من كل البلاد العربية.