أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي

أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي

أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي

 السعودية اليوم -

أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

لم تكن أزمة العالم العربي خلال العقود الثمانية الماضية، أزمة موارد، ولا أزمة ذكاء سياسي، بقدر ما كانت أزمة عدم فهم لطبيعة التحولات التي كانت تمر بها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.

فقد امتلك العرب، نخباً وجماهير، تحديد ما لا يريدون، فهم لا يريدون الاستعمار ـ ولا يريدون التخلف. المشكلة أنهم على وجه الدقة لم يعرفوا ما يريدون، وكيف يمكن تحقيقه. هنا تحديداً وضح الخلل، وبدأت المنطقة تدخل في سلسلة متراكمة من التجارب غير المكتملة، والقرارات المتسرعة، والرؤى غير الناضجة.

لحظة خروج المستعمر، سعت دول عربية عديدة لتقليد النموذج الغربي وديمقراطيته، وظهرت برلمانات ناشئة، وحكومة حزبية، وصحف تتجاور فيها الأصوات المتعددة، هذه (الديمقراطية) الوليدة قامت فوق أرضية اجتماعية لم تكتمل شروطها؛ فالتعليم ضعيف، والطبقة الوسطى محدودة، وتسيطر على المجتمع الولاءات القبلية والطائفية والعرقية، لذلك لم تستطع المؤسسات الديمقراطية الجديدة الصمود أمام خلافات النخب أو ضغوط الخارج، فتحولت الحياة السياسية سريعاً إلى ساحات للصراع، بدلاً من أن تكون ساحات للوفاق، وشاهدنا هذه الظاهرة بوضوح في تجارب مثل مصر الملكية، وبرلمان في العراق، وسوريا ولبنان وليبيا في الأربعينات والخمسينات، حيث بدأت (الديمقراطية) أقرب إلى صورة كاريكاتورية، تفتقر إلى البنية الصلبة التي تحميها والثقافة السياسية التي توجهها.

ومع تراكم الإحباط الشعبي ظهر العسكر على المسرح السياسي، بوصفهم البديل القادر على الحسم، وجاءت الانقلابات واحداً تلو الآخر، تحمل شعار التحرر والتنمية والوحدة والعدالة الاجتماعية، غير أن هذه الشعارات التي قدمت نفسها طريقاً للخلاص، تحولت في الواقع إلى مشهد طويل من الحكم الشمولي، فحين تسلمت الجيوش السلطة، توسعت الأجهزة الأمنية، وذابت السياسة في القبضة العسكرية، وأصبحت الدولة تدار من أعلى إلى أسفل من دون مشاركة حقيقية، ويمكن قراءة تجارب مصر 52، وسوريا بعد 63، والعراق بعد 68، وليبيا بعد 70، وكذلك السودان، بوصفها أمثلة على حقبة كاملة، اتسع فيها القمع، وتقلص فيها الاقتصاد الإنتاجي، بينما بقيت الشعارات هي اللغة الرسمية للدولة!

وفي السياق ذاته، انجرفت دول عربية أخرى إلى تبني النموذج الاشتراكي، كانت الفكرة تقوم على تحقيق العدالة عبر الدولة، وتعظيم المِلكية العامة، ولكن هذا التحول تم من دون أي بناء يسبقه أو قاعدة اقتصادية أو ثقافة إنتاجية أو مؤسسات قادرة على إدارة الاقتصاد المؤمم، فكانت النتيجة أن تحولت الاشتراكية العربية إلى تأميمات واسعة، وتضخم القطاع العام، وتراجع في المبادرة الفردية، وانهيار القطاع الخاص، وساد الفساد، وبسبب ضعف البنية الاقتصادية والاجتماعية تحولت الدولة إلى رب عمل ضخم، لكنه غير قادر على تقديم خدمات فعالة.

كما تقدمت مجموعة للتصدي للحلول من خلال تصور عصر ذهبي، وكان فهمها قاصراً للعصر السابق والعصر الذي تعيش، فانطلقت بشعارات ضبابية تتحدث عن أن النهضة لن تتم إلا بما تمت به أولها، واستمرأت العنف وكان مشروع غيب الوعي العربي.

وفي وسط هذا الارتباك السياسي والاقتصادي وقع الحدث الأكبر، الذي بدّل اتجاه المسار العربي؛ وهو قيام دولة إسرائيل عام 48، فقد أصبحت النكبة محور السياسة العربية، وأعيد تعريف الأولويات القومية على أساسها، ثم جاءت هزيمة 67 لتشكل صدمة عميقة، دفعت الأنظمة إلى استخدام شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، لتبرير القمع والتنكيل، وتعطيل الحياة السياسية، ومع مرور الزمن تحولت إسرائيل إلى ذريعة جاهزة لكل فشل اقتصادي، وكل قمع داخلي، يشرع بحجة الصراع معها، وهكذا امتدت حالة الطوارئ العربية عقوداً طويلة.

كما أن بعض الدول العربية دخلت في دوائر صراع داخلي مزمن، كسوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا واليمن، وهي صراعات لم تكن مجرد نتائج للانقسامات الداخلية؛ بل كانت أيضاً نتاجاً لغياب مشروع وطني جامع للدولة، في المقابل نجحت دول الخليج في بناء نماذج مختلفة، حيث ركزت منذ الستينات على الإدارة الحديثة والتنمية الاقتصادية والاستثمار في الإنسان... هذه النماذج تقدم دليلاً على أن غياب التقدم العربي لم يكن قدراً تاريخياً هو بالنتيجة خيارات سياسية وإدارية غير ناضجة.

التجربة العربية الطويلة تبرز حقيقة واحدة؛ وهي أنه لا يمكن بناء دولة حديثة على أساس الشعارات، ولا يمكن تحقيق تنمية من دون مؤسسات مستقرة، ولا يمكن مواجهة التحديات الإقليمية والدولية من دون رؤية واقعية، فصناديق الانتخاب ليست الاقتراع فقط؛ بل ثقافة ومسؤولية ومؤسسات، والاشتراكية ليست تأميماً بل القدرة على التخطيط، والحكم العسكري لا ينتج استقراراً؛ بل يوقف عجلة التطور، والصراع العربي - الإسرائيلي ليس مبرراً لتأجيل التنمية، ولا سبباً لإلغاء المسألة.

اليوم بعد مرور كل هذه التجارب، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف ما نريد، نحن بحاجة إلى دولة قانون لا دولة شعارات، وإلى اقتصاد المعرفة لا اقتصاد الريع، وإلى مجتمع يشارك عبر المؤسسات المستقلة لا عبر تعبئة سياسية مؤقتة، نحتاج قبل ذلك إلى نخب جديدة قادرة على التفكير بالمستقبل، وقراءة العالم بعيون واقعية لا بأوهام الماضي. وتقول إننا أخطأنا!!

آخر الكلام: للخروج من التيه يجب أن نهجر التحليل العاطفي في السياسة ونتبنى التحليل العقلي المنطقي.

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي أخطأنا فهم الدولة فبدأ التيه العربي



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon