بقلم - خالد منتصر
في هذا العام (2026) سيكون قد مر قرن كامل على صدور كتاب «في الشعر الجاهلي»، وهو حدث يستحق الاحتفاء من الدولة وليس من وزارة الثقافة وحدها، فالصراع حول هذا الكتاب يُعد علامة فارقة بين عصرين، والجدل الذي حدث هو بمثابة شرارة تنوير، ولكني في هذا المقال سأسلط الضوء على شخص كان وراء الكاميرا في هذا المشهد، وهو الذي حوله إلى انتصار تنويري بامتياز، رغم تغيير طه حسين لعنوان الكتاب ومتنه، إلا أن ملف القضية نفسه يحتاج إلى وقفة، فنحن نحتاج إلى تذكير الناس بقصة محمد نور، وكيل النيابة الذي حقّق مع طه حسين أثناء أزمة كتابه «في الشعر الجاهلي»، الرجل المستنير الذي نريد استنساخ المئات منه في تلك الأيام.
كنت قد طلبت من الكاتب الكبير الراحل خيري شلبي بعد تشرفي باستضافته في برنامج كنت أقدمه، أن يكتب لي عن هذا القاضي النبيل في ظل الهجمة الشرسة على طه حسين وقتها، وللأستاذ خيري كتاب مهم عن تلك القضية، كتب العم خيري: «فوجئت في الآونة الأخيرة ببعض الأصوات الإخوانية على مواقعهم الإلكترونية وبعض الفضائيات المصرية تردد الشائعة القديمة نفسها التي تدين طه حسين بالكفر والإلحاد، وأنه قد استتيب في تحقيقات النيابة!، وحسماً لهذه القضية التي شغلت مصر كلها في آخر عشرينات القرن العشرين، واتضح أنها لا تزال تشغل بعض السلفيين، دون إلمام بحقيقة الموقف أو ربما الإصرار على رفضها، أضع أمام جميع القراء هذه السطور الأخيرة من قرار النيابة الذي كتبه الأستاذ محمد نور، رئيس نيابة مصر في الثلاثين من مارس عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين، حيث يقول بالنص:
«... وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي، مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوافر، فلذلك تُحفظ الأوراق إدارياً».
أما تفاصيل التحقيق فتشهد أننا أمام رئيس نيابة على ثقافة رفيعة، قبل أن يكون رجل قانون، ملم بقضايا عصره الثقافية والفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية، وله في كل ذلك وجهات نظر عميقة. لقد أدار دفة التحقيق مع طه حسين بوعي كامل وبموضوعية وتركيز. لم يلجأ إلى تكفير الرجل أو اتهامه بالعلمانية الملحدة، بل لعله لم يتهمه بشيء، إنما كان يتساءل ويناقش ويقارع الحجة بالحجة، ليس بحثاً عن إدانة، بل ليستبين منه حقيقة ما يقصد، بل يفتح له المنافذ ويساعده على تدعيم موقفه القانوني، وكان كبيراً عزيز النفس حقاً، احتمل استعلاء طه حسين على مبدأ التحقيق من الأساس، ومراوغته في الإجابة، وإمساكه عن التصريح، ولو كان ذلك الرجل ضعيف النفس لاتخذ من طه حسين موقفاً مضاداً يغطي شعوره بالنقص، وفي الوقت نفسه يكسب رضا التيار السلفي الذي هيّج الرأي العام والبرلمان والأزهر الشريف، لدرجة أن أربعة من علمائه كتب كل منهم كتاباً يرد به على كتاب طه حسين، وكان هذا أعظم ما في الأمر بالرد على كتاب بكتب، وكانت الفرصة متاحة أمام رئيس النيابة، لأن يُظهر نفسه في صورة حامي حمى الأخلاق المدافع عن الدين الحنيف، لكنه كان رجلاً شريفاً يُقدّر قيمة العلم وقدر العلماء، وكان إلى ذلك قبساً من النهضة الثقافية التنويرية التي أنتجت طه حسين والعقاد وسعد زغلول وسواهم».
ألف رحمة ونور على طه حسين ومحمد نور وعلى خيري شلبي، نحن مجتمع الجري في المكان، بل نستطيع أن نقول إننا مجتمع العودة إلى المربع رقم واحد دائماً، الجري في المكان تمرين مشهور، المفروض أنك بعد ممارسته تكتسب لياقة بدنية لتنطلق للأمام، لكننا في مصر أدمنّا هذا التمرين، ولم نتقدّم بعده خطوة! وفي معركة العقل والثقافة نحن دائماً نلعب لعبة السلم والثعبان ونخسر فيها ونعود في النهاية إلى المربع رقم١
* نقلا عن "الوطن"