يوميات صيدلانية

يوميات صيدلانية

يوميات صيدلانية

 السعودية اليوم -

يوميات صيدلانية

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

المهنة الوحيدة التي يكشف فيها الإنسان نفسه أمامها داخلياً وخارجياً هي مهنة الطبيب، لأن جزءاً أساسياً من الشفاء يعتمد على صراحة المريض وصدقه. يشارك الطبيب في تلك المهنة، صيدلي القرية، الذي كثيراً ما يحل محله، فيعمل صيدلياً وطبيباً وإخصائياً اجتماعياً وكبير عيلة ومخزن أسرار وناصحاً أميناً، فما بالك لو صيدلانية؟!

هنا يكون التأنيث سداً منيعاً أمام التواصل في البداية، وعندما يسقط، تسقط معه كل الحواجز والفرامل والكوابح، وتصبح القرية كلها عجينة تتشكل أمامها، وشاشة تعلن عن كل كواليس وشفرات الحياة البخيلة بالمال، الغنية بالخيال والأساطير، أما إذا كانت الصيدلانية فنانة وسياسية، مثل مؤلفة هذا الكتاب المدهش، «يوميات صيدلانية»، فأنت هنا أمام تجربة إنسانية في منتهى الغنى والقراءة.

بالفعل استمتعت بيوميات الدكتورة كريمة الحفناوي، التي لم تبخل علينا بالتفاصيل الذكية واللقطات اللماحة، التي تصلح كل لقطة منها أن تتحول إلى فيلم سينمائي، الكتاب الصادر عن دار النسيم، يحمل شحنات شجن وكوميديا سوداء وميلودراما بطعم طمي النيل، خاصة جداً وشاملة جداً، لأنها إنسانية جداً وصادقة جداً.

كريمة الحفناوي بنت الحركة الطلابية في السبعينات، تلك الحركة التي أهدت المحروسة أجمل وأنبل البشر، ولم تأخذ حقها بعد من التوثيق والتأريخ، جيل أحمد رزة وبهاء شعبان ومجدي أحمد علي، الجيل الذي كانت أناشيده كلمات نجم وألحان إمام وعدلي فخري، الجزء الأول الذي لم يحتل مساحة كبيرة من الكتاب، كان عن تلك الحركة والمظاهرات والاعتقالات التي تمت أثناء الاعتراض على محاكمات ما بعد هزيمة 67، ثم انتفاضة يناير، وما تلاها من أحداث.

كنت قد قرأت كثيراً عن تلك الفترة، لكن ما أدهشني حقاً هو حياة القرية التي فتحت فيها الدكتورة كريمة الأجزاخانة في البدرشين، وظلت فيها ما يقرب من ثلاثين عاماً، حكايات عن هؤلاء البشر الذين كواهم الفقر وجعلهم كالحواة في السيرك، يخرجون القرش من فم الأسد قبل قرصة الجوع، كما يُخرج الحاوي الأرنب من القبعة، التحايل على الحياة لمجرد العيشة، ومع كل هذا الهم اليومي، ابتسامتهم تسكن تلافيف الروح.

كتبت عنهم كريمة الحفناوي بحب، لم تكتب بتعالٍ أو من مسافة جفاء، كتبت عن السيدة التي ساعدتها في الصيدلية، والتي تركها زوجها لأنها لم تنجب، كتبت عن الفلاح الذي كان يهديها بشاير حقله المتواضع، كتبت عن المسافرين إلى المنفى يبحثون عن الرزق في العراق وليبيا والخليج، ولا يأتون إلا كل سنتين أو ثلاث في إجازة قصيرة تنتهي بعبء جديد، طفل مولود يزحف إلى الدنيا.

التفسّخ الاجتماعي والعلاقات المشوهة التي أفرزها السفر، العالم السري الذي يشغلهم من خلال أدوية الإنجاب، أو الفياجرا، المرأة المقهورة التي ترضى بالهم، ويتم طلاقها رغم أن زوجها هو السبب في عدم الإنجاب، ثم عندما تتزوج مرة ثانية، وتنجب، يتزوج عليها الزوج الثاني.

تضفر كريمة تلك الأحداث وسط عملها في مسرحيات الثقافة الجماهيرية ومسلسلات الإذاعة، وكفاحها للتوفيق بين هذا وذاك، تغني وتمثل وتقود المظاهرات وتركب الأدوية، حتى للحيوانات، تركيبة علاج جرب الإبل، وفطريات البقر، كنت ألهث مع إيقاع هذا الكتاب المدهش الخلاب.

كل تلك القسوة في تفاصيل الحياة المتقشفة، بمخالبها وأنيابها، ملفوفة في ورق سيلوفان من الحب والاحتواء لهؤلاء البشر الذين يلعبون مع الحياة أخطر استغماية في التاريخ، شكراً لكريمة الحفناوي على تلك اللحظات واللقطات التي أمتعتني وأبكتني وأضحكتني، لن تُمحى من الذاكرة، وستظل كالوشم على جدران القلب والروح.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوميات صيدلانية يوميات صيدلانية



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 22:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

ترقب إيراني واسع لنتائج الانتخابات الأميركية
 السعودية اليوم - ترقب إيراني واسع لنتائج الانتخابات الأميركية

GMT 14:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض
 السعودية اليوم - ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon