كثيرا ما نكتشف مع مرور الزمن أننا أخطأنا التقدير، ولم نكن موفَّقين فى الرهان على الطريق الصحيح أو الفنان الصحيح، ربما لا يعلم كُثر أن سيد درويش لم يبدأ الإعلام الإشارة إلى عبقريته إلا بعد رحيله بعدة سنوات، باعتباره المُجدِّد الأول فى الموسيقى، وهو ما ينطبق أيضا على المخرج الكبير هنرى بركات، الذى يجمع بين الشاعرية والشعبية فى مزيج نادر التكرار.
عندما يأتى اسم (بركات)، يصعد بالنسبة لى على الفور ثلاثة أسماء: (الكروان، والاسموكنج، وفاتن حمامة).
(الكروان) بصوته الذى يحيلنا إلى النقاء والشفافية وطزاجة النهار، وهذه سمة لا يمكن إلا أن تستوقفك فى أفلام بركات، ولا أعنى تحديداً فيلمه الشهير (دعاء الكروان)، كل أفلام (بركات) تنضح بهذا السحر الكامن، التى تتجسد فيها روح وبراءة وعذوبة الكروان.
(الاسموكنج) يمنحنا الإحساس بالأناقة والألق فى التعبير، وهى سِمة من السهل أن تعثر عليها فى أغلب أفلامه، حتى المُغرَقة فى واقعيتها مثل (الحرام) الذى ترى فيه كل الفقر والعوز الذى تعيشه القرية من خلال تقديمه حال عمال التراحيل، ورغم ذلك فإن الحالة الإبداعية التى يتكئ عليها تحمل ألقا واكتمالا إبداعيا فى كل تفاصيلها، بإحساس شديد الأناقة والعذوبة وكأنه يرتدى (الاسموكنج).
ثم نأتى إلى أهم نجمة تعامل معها فى مشواره فاتن حمامة، الملهمة، التى قدم من خلالها أهم أفلامه، وهو بالنسبة لها النهر الذى كثيراً ما ارتوت من إبداعه، فَكَوّنا ثنائياً، لا تدرى على وجه الدقة متى يبدأ المنبع وإلى أين ينتهى المصب!!
التقى «بركات» مع أغلب النجوم والنجمات، ظل اسم «فاتن » له طابع مميز. التقت «فاتن حمامة» مع أغلب المخرجين، ظل ما بينها وبين بركات إشعاع إبداعى لا تجده إلا فى السينما التى تحمل توقيع بركات!!
لحظة التوهج بين مخرج ونجمة لا تعنى أن كلا منهما لا يبدع إلا مع الآخر، ولكنها تؤكد أن كلاً منهما يملك وجهاً إبداعياً خاصاً لا يعلن عن نفسه إلا فى حضور الآخر، اللقاء بين (بركات) و(فاتن) به همس الحب الفنى. تكفى النظرة بين الطرفين، ليدرك كل منهما ما يريده الآخر. امتد اللقاء فى ٢١ فيلماً.
سألت يوماً «بركات» عن سر «فاتن »، قال لى: حصان أصيل، لا ترضى عن المقدمة بديلا. سألته هل اختلفت معها فى الرؤية الفنية؟، قال: نعم فى فيلم (الخيط الرفيع)، أصرت (فاتن) على جملة فى الحوار كتبها إحسان عبد القدوس تقول لمحمود يسن (أنا مش نبى علشان أسامح)، اصطدمت هذه الجملة بذائقتى، لمحت بها جرأة تصل إلى حدود التهور، لم أشأ أن أتشبث برأيى، وبعد عرض الفيلم، اكتشفت أن «فاتن» عندها حق.
حتى الأفلام التى لا يخرجها بركات، تلجأ إليه «فاتن» للاستنارة برأيه، عندما تجد أنها حائرة فى تحديد موقفها، بركات يملك القدرة على أن يشاهد «فاتن» مع مخرجين آخرين.. يرى فى أفلام عز الدين ذو الفقار معها مثل (نهر الحب) سحرا خاصا.
سألته: ألم تخاصم فاتن على مدى نصف قرن؟ قال لى: يجوز مرة - شدينا - كل واحد غضب شويه لمدة شهر أو شهرين، والتقينا قلت لها: (أنت لسه زعلانه منى وقالت وانت لسه زعلان منى.. وخلصت الحدوتة)، وبالطبع خلصت حدوتة الخصام، ولكن حدوتة «بركات» و«فاتن» فى السينما العربية لا تعرف كلمة النهاية!!
بدأ «بركات» المشوار عام ٤٢ بفيلم (الشريد)، وصل رصيده إلى ٩٣ فيلماً، رقم يتجاوز ضعف ما قدم «صلاح أبو سيف» أو «يوسف شاهين» أو «كمال الشيخ». قال لى بركات: (ليس لى حرفة أخرى، أنا لا أملك عمارات ولا مالاً فى بنوك، ما عنديش غير مهنة الإخراج لازم أعيش منها)، أعترف بأنه ارتدى العفريتة الزرقاء وقدم أفلاماً مثل «العسكرى شبراوى»، «نوارة والوحش»، «أرملة رجل حر»، وعلى حد قوله فيلم «يفوت ولا حد يموت».
عاش بركات أغلب سنوات عمره فى بيت ريفى، يستمتع فى الصباح بمتابعة الحمار والجاموسة والبط والوز وهم يمرحون، ويشم رائحة بكارة الحياة، وكان هو فى تلك المنظومة (الكروان)، يسبح دوما لله: (الملك لك لك لك)!!