«الرؤية» ما لم يفهمه الغافلون

«الرؤية»... ما لم يفهمه الغافلون

«الرؤية»... ما لم يفهمه الغافلون

 السعودية اليوم -

«الرؤية» ما لم يفهمه الغافلون

يوسف الديني
بقلم - يوسف الديني

ليست «رؤية 2030» برنامجاً تنفيذياً قابلاً للاختزال في مشاريع محددة أو جداول زمنية، ولا سردية إنجاز تُقاس بمنطق الافتتاح والإغلاق والتأجيل. الرؤية، في معناها الأعمق، مشروع ذهني - ثقافي أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان السعودي وذاته، وبين المجتمع وفكرة المعنى، وبين الدولة ومفهوم الدور. ومن يقرأها خارج هذا الإطار يظلمها مرتين: مرة حين يحصرها في الجزئي والعابر، ومرة حين يغفل أثرها البنيوي في تشكيل الوعي والسلوك.

ما فعلته الرؤية هو أنها نقلت السؤال المركزي من: «ماذا نملك؟» إلى: «مَن نكون؟ وماذا نستطيع أن نصنع؟». هذا التحول في مركز الثقل هو جوهر أي نهضة حقيقية. فالدول لا تتغير بالقرارات وحدها، بل بتغيير العقل الذي يتلقى القرار. والرؤية اشتغلت، بوعي عميق، على هذا المستوى تحديداً: مستوى الذهنية السعودية، لغةً وسلوكاً وتمثلاً للذات.

تغيّرت لغة السعوديين، وهذه ليست مسألة شكلية. اللغة مرآة الوعي وأداته في آنٍ. مفردات مثل: التنافسية، والقيمة المضافة، والابتكار، والاستدامة، والأثر، والريادة... لم تعد عناوين مؤسسية، بل دخلت القاموس اليومي. وحين تتبدل اللغة، تتبدل خرائط التفكير. لم يعد النجاح يُعرّف بوصفه موقعاً وظيفياً أو امتيازاً اجتماعياً، بل بوصفه قدرة على الإضافة، وعلى تحويل المعرفة إلى فعل. هذا التحول اللغوي هو من أخطر وأعمق ما أحدثته الرؤية، لأنه يُنتج سلوكاً جديداً من تلقاء نفسه.

في التعليم، يظهر هذا التحول بأوضح صوره. لم يكن إصلاح المناهج هدفاً بحد ذاته، بل كان مدخلاً لإعادة تعريف الطالب. إدخال الفلسفة والتفكير النقدي، وربط التعليم بسوق العمل والبحث العلمي، وتوسيع الخيارات التعليمية، كل ذلك يعكس رؤيةً ترى في الطالب فاعلاً معرفياً لا متلقياً. لم تعد المدرسة مكاناً لإعادة إنتاج المسلّمات، بل مساحة لاختبار الأسئلة وبناء المهارات. ومن هنا يمكن فهم مشهد التنافس العلمي المتنامي بين الطلاب والطالبات، ليس بوصفه ظاهرة احتفالية، بل بوصفه نتيجة منطقية لبيئة تعليمية جديدة.

وحين يحصد طلاب من مختلف مناطق المملكة جوائز علمية في الطب والرياضيات والطاقة والفيزياء والبيئة، فالقيمة لا تكمن في الجائزة، بل في اعتيادية التفوق. التفوق هنا لم يعد استثناءً يُحتفى به مرة، بل صار مساراً متكرراً. وهذا هو الفارق بين مجتمع يُنتج النجوم، ومجتمع يُنتج القاعدة القادرة على التميّز. الرؤية اشتغلت على القاعدة.

اقتصادياً، لا يمكن قراءة الأرقام خارج سياقها الفلسفي. التنويع، وتمكين القطاع الخاص، وإعادة معايرة الأولويات، وضبط الأسواق، كلها ليست إجراءات محاسبية، بل تعبير عن تصور يرى الاقتصاد أداةً لبناء الإنسان، لا أن الإنسان تابع للاقتصاد. الرؤية لا تسعى إلى نمو كمِّي مجرد، بل إلى نمو ذي معنى، ينعكس على جودة الحياة وعلى قدرة المجتمع على التكيّف والإنتاج. ولهذا فإن المراجعة وإعادة التقييم ليست علامة ارتباك، بل جزء من عقلانية دولة تعرف أن الكفاءة أعلى قيمة سياسية واقتصادية في زمن التحولات الكبرى.

على المستوى الثقافي والاجتماعي، أعادت الرؤية الاعتبار لسؤال الهوية، لا بوصفه صراعاً، بل بوصفه استعادة هادئة. الهوية هنا ليست شعاراً ولا انغلاقاً، بل تفاعل حي بين التاريخ والمستقبل. الاحتفاء بالتراث، واللغة، والفنون، وتنوّع المناطق، لم يعد تعبيراً عن حنين ساذج، بل عن وعي جديد يرى في التعدد ثراءً وطنياً. هذا الانبعاث الهويّاتي لا يحمل نزعة إقصائية، ولا يحتاج إلى أقواس آيديولوجية؛ لأنه مرتبط بمشروع وطني واضح المعالم، يقدّم الدولة بوصفها الإطار الجامع والمعنى الأعلى.

سياسياً، انعكس هذا التحول الداخلي في حضور دولي أكثر ثقة واتزاناً. الدولة التي تُعيد بناء عقل مجتمعها، وتستثمر في المعرفة، وتُحسن إدارة هويتها، تصبح بطبيعتها أكثر قدرة على الفعل والتأثير. ليس لأنها تبحث عن دور، بل لأن الدور يتشكّل حين تتراكم عناصر القوة المادية والرمزية معاً.

هذه هي «رؤية 2030» التي يغفل عنها كثيرون: ليست قصة مشاريع، بل قصة إنسان. رؤية أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والمسؤولية، وبين الطموح والهوية، وبين الفرد والوطن. وما نراه اليوم من تغير في اللغة والسلوك والتوقعات ليس أثراً جانبياً، بل هو المنجز الأعمق. فالتحولات الكبرى لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل؛ من العقل الذي يجرؤ على إعادة تعريف ذاته، ومن مجتمع قرر أن يكون فاعلاً في زمنه، لا شاهداً عليه.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الرؤية» ما لم يفهمه الغافلون «الرؤية» ما لم يفهمه الغافلون



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon