«الإخوان» بيان على حافة القفز من القارب

«الإخوان»: بيان على حافة القفز من القارب

«الإخوان»: بيان على حافة القفز من القارب

 السعودية اليوم -

«الإخوان» بيان على حافة القفز من القارب

بقلم : يوسف الديني

يأتي البيان الأخير لجماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا، الصادر عقب اجتماع مجلس شورى الجماعة في 7 أغسطس (آب)، في لحظة سياسية معقّدة تتعرّض فيها حكومة أحمد الشرع إلى ضغوط متصاعدة داخلية وخارجية، لتنفيذ حزمة من الاستحقاقات الوطنية والإقليمية. من حيث اللغة والمضمون، يبدو البيان أقرب إلى مناورة سياسية وقائية، تستهدف إعادة التموضع أكثر من كونه إعلان دعم صريحاً للحكومة الجديدة، في مشهد يشي بمحاولة القفز من القارب قبل أن تهب العاصفة.

البيان، المليء بالمصطلحات الفضفاضة عن «الدولة المدنية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية»، و«الوحدة الوطنية»، و«العدالة الانتقالية»، يُذكِّر بخطاب الجماعة في مراحل مفصلية سابقة؛ حيث يُستخدم الغطاء الإصلاحي والمدني لإعادة التموضع وفتح قنوات مع أطراف متعددة، دون الالتزام العملي بما يوحي به النص. فالتجربة التاريخية مع الجماعة، في سوريا وخارجها، تثبت أن هذه اللغة المطمئنة غالباً ما تسبق انتقالاً نحو تموضع جديد يحاول قراءة موازين القوى بأدوات استباقية ومقاربة شديدة الانتهازية.

الأخطر في البيان ليس ما ورد فيه من شعارات، بل توقيته ومضمونه الضمني، فالإخوان، الذين حاولوا منذ بداية «العهد الجديد» في سوريا تجنُّب الصدام مع حكومة الشرع، باتوا يدركون أن مزاج الشارع قد يتغير مع الوقت، وأن الضغوط الإقليمية على الحكومة قد تخلق فراغات سياسية قابلة للاستثمار. من هنا، فإن تأكيد مفاهيم مثل «المواطنة الكاملة»، و«رفض مشروعات الانفصال»، و«العيش المشترك»، يمكن قراءته بوصفه رسائل مزدوجة: دعم معلن للحكومة، ورسالة ضمنية للخصوم والمجتمع الدولي بأن الجماعة مؤهلة لتكون شريكاً أو بديلاً إذا اهتزت أركان الحكم الحالي.

البيان لم يخلُ من محاولة ذكية لرسم خط تماس مع القضايا الساخنة -من التحذير من «المشروعات الانفصالية» المرتبطة بإسرائيل، إلى استدعاء ذاكرة التهجير القسري في الجزيرة السورية والسويداء ومنبج- بما يتيح للجماعة الظهور بوصفها مدافعاً عن وحدة البلاد، في الوقت الذي تتهمها فيه قطاعات واسعة بأنها تضع أجندتها الحركية فوق المصلحة الوطنية.

كما أن تزامن البيان مع تسريبات عن نية الجماعة إصدار «ورقة حول العيش المشترك»، يوحي بمحاولة بناء سردية سياسية جديدة، أقل التصاقاً بخطاب التنظيم العالمي وأكثر توافقاً مع التوازنات الإقليمية؛ خاصة مع تجنب مهاجمة دول مثل السعودية، وانتقاد إيران، وهو ما يعكس إدراكاً لضرورات التموضع في بيئة إقليمية شديدة الحساسية تجاه مشروع الإخوان التقليدي.

وفي المشهد الأوسع، فإن خطوة الإخوان الأخيرة ليست استثناءً في سلوك الإسلام السياسي، الذي اعتاد تاريخياً استغلال اللحظات السياسية الحرجة للقفز على المراحل، وتوظيف الأزمات لإعادة التموضع. ففي الحالة السورية، يمتلك الإخوان قاعدة اجتماعية واسعة، وشبكات تنظيمية متينة، وعلاقتهم بالحكومة المؤقتة وهيئة تحرير الشام كانت في جوهرها علاقة براغماتية واستغلالية، أشبه بـ«الانحناء للعاصفة» بانتظار اللحظة المناسبة للمفاصلة. وحين تتهيأ الظروف، لا يستبعد أن يسارعوا إلى تغيير مواقفهم، وطرح أنفسهم بديلاً جاهزاً، وهو ما يثير قلقاً مشروعاً على مستقبل سوريا، التي ينبغي أن تكون لكل السوريين، لا مجال فيها لهيمنة فصيل أو مشروع آيديولوجي واحد.

لكن، ورغم هذه المرونة الظاهرية، يبقى المضمون العميق للبيان متصلاً بطموح الجماعة التاريخي في الوصول إلى السلطة، أو على الأقل الاحتفاظ بموقع متقدم في معادلة الحكم. وهو طموح لن يتحقق في ظل إدارة الشرع إلا إذا ضعفت قبضتها، أو اختارت نهجاً إقصائياً يفتح الباب أمام منافسين منظمين سياسياً مثل الإخوان الذين كان لهم نصيب الأسد من التجارب الفاشلة، والمحاولات الانتهازية على صعيد السياسة والبحث عن المصالح الضيقة للجماعة على حساب مصلحة البلاد والعباد.

في المحصلة، فإن البيان لا يمكن قراءته بوصفه خطوة دعم للحكومة الجديدة بقدر ما هو إعلان حضور في لحظة اختبار، ورسالة استعداد للانخراط في أي ترتيبات مستقبلية، بما في ذلك استثمار أي إخفاقات أو أزمات تمر بها الإدارة الحالية، وهذا ما يجعل لغة البيان المراوغة جزءاً من لعبة سياسية قديمة تعرفها الجماعة جيداً: البقاء في قلب المشهد دون تحمُّل تكلفة الاصطفاف الكامل مع أي طرف، حتى يحين وقت القفز نحو موقع أقوى.

إنها لحظة فارقة أمام الحكومة المؤقتة والرئيس أحمد الشرع لقراءة حساسية الظرف بدقة، والتعامل معه بوعي استباقي يقوم على مبدأ المشاركة لا المغالبة، عبر فتح المجال أمام إعادة تأهيل الحالة السورية سياسياً واجتماعياً على أسس جامعة. ويتطلب ذلك استثمار الدعم المُعلن من دول الاعتدال العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي أثبتت في كل المراحل أنها تتحرك بلا أجندة خاصة، بل برؤية واضحة هدفها سوريا موحدة تسع جميع أبنائها، وتغلق الأبواب أمام مشروعات الانقسام والاحتراب الأهلي، بما يضمن ولادة دولة مواطنة قادرة على الصمود في وجه رياح التجاذبات الإقليمية والدولية.

الأكيد أن التحول نحو دولة راشدة ليس مساراً تلقائياً، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة، وأخذ زمام المبادرة، والانتقال الحقيقي من ذهنية الثورة إلى عقلانية الدولة؛ حيث تغلب مؤسسات الحكم، وسيادة القانون، والمصلحة الوطنية الجامعة، على نزعات المغالبة، واستبدال المشاركة وبناء هوية وطنية جامعة بها.

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الإخوان» بيان على حافة القفز من القارب «الإخوان» بيان على حافة القفز من القارب



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 14:17 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إيران تشترط إجراءات ملموسة قبل استئناف المفاوضات مع واشنطن
 السعودية اليوم - إيران تشترط إجراءات ملموسة قبل استئناف المفاوضات مع واشنطن

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon