الإنسان الفرط ــ صوتي

الإنسان الفرط ــ صوتي

الإنسان الفرط ــ صوتي

 السعودية اليوم -

الإنسان الفرط ــ صوتي

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

الصاروخ الفرط - صوتي عرفناه في حرب إسرائيل وإيران، فيما عُرف بحرب الاثني عشر يوماً، بوصفه سلاحاً يتجاوز السرعة التقليدية ويضرب قبل أن يستوعب الخصم حقيقة ما جرى، لكن ماذا عن الإنسان الفرط - صوتي؟ هذا المفهوم الجديد الذي نحاول تقديمه هنا عن الإنسان الفرط - صوتي، والفرط - صورة الذي نراه اليوم يتحرك في الفضاء الرقمي ومنصاته المختلفة؟ وهل هو جديد فعلاً؟ نعم، هناك إنسان فرط - صورة، وفرط - صوتي، انتشاره يسبق الفهم وربما يستعصي عليه، وتأثيره يتقدم على المعنى، وصوته وصورته لا يقاسان بصدق أو عمق، بل بالقدرة على العبور السريع داخل دورة الخوارزميات؟

ما نعيشه اليوم ليس تطوراً تقنياً فقط، بل نحن أمام تحوّل عميق في معنى «الشخصية» ذاتها، تلك الشخصية التي كانت تُفهم بوصفها كياناً له عمق واستمرارية وحدود واضحة بين العام والخاص، أصبحت أداءً دائماً، وصورة قابلة للتداول، صوت وصورة خاضعان لمنطق الخوارزميات وسرعة الانتشار. لكنني في هذا المقال أريد أن أوصل فكرة مختلفة، وهي أن منطق الإنسان الفرط - صورة قديم جداً، ولا يجب أن ننبهر بما هو موجود، فالقصة لم تبلغ نهايتها بعد. هذا العالم الذي ينفرط أمامنا ليس جديداً في جوهره، بل هو امتداد مكثف لمسار نظري قديم رسم معالمه عدد من منظّري الاجتماع والسياسة منذ منتصف القرن العشرين من أمثال إرفنغ غوفمان وكتابه المنشور عام 1959 «عرض الذات في الحياة اليومية».

في هذا الكتاب نظر إرفنغ غوفمان إلى الحياة اليومية بوصفها مسرحاً، وهنا لم يكن الرجل يستخدم استعارة، بل يقدّم تشخيصاً بنيوياً: الإنسان ممثل، والسياق منصة، والهوية ليست جوهراً داخلياً بل أثراً درامياً ينشأ بين الفعل ونظرة الجمهور. ومع ذلك افترض غوفمان وجود توازن بين الواجهة والكواليس، أو بين ما هو معروض على خشبة المسرح وما خلفها، بين الظاهر والمخفي. هذا التوازن ليس ترفاً نفسياً، بل شرطاً اجتماعياً لاستمرار العرض. المنصات الرقمية اليوم كسرت هذا الشرط وأزاحت الستارة الفاصلة بين خشبة المسرح والكواليس التي خلفها. الواجهة أو خشبة العرض أصبحت حالة دائمة، والكواليس انهارت وأصبحت جزءاً من العرض في إطار تسريبات تدار بحرفية وإتقان.

فضيحة جيفري إبستين هي المثال الحي لانهيار الكواليس. في قصة إبستين، الصدمة اليوم ليست في الجريمة وحدها، بل في انكشاف شبكة الأداء الاجتماعي الراقي التي حمتها لسنوات. هذا الانكشاف أيضاً في عالم الإنسان الفرط - صوتي تحوّل إلى مادة للفرجة والتسلية الرخيصة: وثائق، وأسماء، وصور، وتسريبات هي المادة الخام لصناع المحتوى. في هذا السياق الجديد، تتراجع العدالة خطوة إلى الوراء لتفسح الطريق لمنطق المنصة، حيث يصبح سقوط الكواليس جزءاً من العرض.

النموذج الآخر لإنسان الفرط - صورة والفرط - صوتي هو نموذج لا ينتظر الفضيحة، بل يستبقها بالعرض الطوعي، كما في حالة عائلة كارداشيان وعالم البثّ الحي وتغذية اللحظة بما يليق بها من فضائح. الكواليس هنا ليست مساحة محجوبة، كما كان المسرح الاجتماعي في السابق، بل هي جوهر العرض برمته وأساس العلامة التجارية للشخصية.

السوشيال ميديا اليوم تكافئ الإنسان الفرط - صورة في صيغته المبتذلة، ولكن كي نفهم مغزى ذلك وتبعاته نحتاج إلى عدسة الفيلسوف الفرنسي الآخر بيير بورديو، الذي يرى أن الأداء في زمن المنصات ليس تعبيراً ذاتياً بريئاً، بل هو رأسمال رمزي قابل للتحويل إلى رأسمال فعلي. الصورة هي الأموال. المتابعة، والإعجاب، والمشاركة، كلها موارد لجلب الشهرة والمال. وهنا يظهر الفارق الحاسم: المنصات لا تكافئ العمق، بل تكافئ ما يشبه عرض المسوخ أو «الفريك شو»، عرض الأقزام أو ما يثير، ما يصدِم، ما يُختزل في صورة أو مقطع، هو الذي يحصد اللايكات والمتابعة. أما التحليل العميق، والتفكير البطيء، واللغة المركبة، فلا تناسب مع دورة الإنسان الفرط - صوتي، ولا تنسجم مع إيقاع الخوارزميات.

الإنسان الفرط - صورة والفرط - صوتي ليس إنساناً، بل فكرة تقول إن الشخصية بوصفها عمقاً مستقراً لا يمكن أن توجد خارج العرض. ما نراه اليوم هو بشر يتحركون بسرعة لا تسمح بالتأمل، ويُقاسون بقابلية أدائهم للانتشار، لا بقدرتهم على الفهم.

السياسة أصبحت منافسة على الانتباه، والاجتماع تحوّل إلى اقتصاد ظهور، والأخلاق مجرد تفاوض بين ما هو مقبول وما هو مربح. هذا العالم لم يولد مع المنصات الرقمية اليوم، بل كُتب نظرياً منذ زمن، كل ما تحتاجه هو أن تقرأ الكلاسيكيات فقط. الجديد اليوم هو أن المسرح صار كونياً، والجمهور دائماً، والخوارزميات لا تكافئ العمق، والإنسان، وربما للمرة الأولى صار فرط - صوتياً. حدود لم نبلغ مدى تفاهتها بعد... وللحديث بقية.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنسان الفرط ــ صوتي الإنسان الفرط ــ صوتي



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - الجيش الإسرائيلي ينفي تنفيذ هجمات سرية على جزيرة قشم الإيرانية

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon