جغرافيا القلق ومضيق هرمز

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

 السعودية اليوم -

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

مضيق هرمز «نقطة اختناق» للاقتصاد العالمي، تمرُّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز. هكذا نعرفه، لكن هل هو كذلك فقط؟ أم أن له أبعاداً أخرى خارج أطروحات الجيوبوليتيك وأسواق الطاقة وشركات التأمين والبورصات؟

لـ«هرمز» أبعاد أعمق تمتد إلى أنثروبولوجيا البحار، لكن جوهر الخليج يكمن في شيء بين الحقيقة والخيال يمكن تسميته «جغرافيا القلق»: فضاء يُنتَج فيه الخوف إعلامياً ويُعاد تداوله حتى في غياب الحرب. مجرد شائعة حول المضيق قادرة على تحريك بورصات العالم، وكأن السوق تسبق الواقع لا تتبعه.

في هذا السياق، لا تحتاج المسألة إلى حرب فعلية كي يعمل المضيق مولّداً للاضطراب. يكفي خبر عن احتكاك بحري، أو توقيف قارب، أو شائعة عن تهديد، لتتحرك الأسواق في لندن ونيويورك. ما يحدث عند أقدام الصيادين على ضفتي الخليج يمكن أن يتضخم عبر الإعلام والمال ليصير حدثاً عالمياً. هنا لا تعكس الأسواق الواقع فقط، بل تساهم في تضخيمه، فيما يحوّل الإعلام الاحتمال إلى شعور عام بالخطر. هكذا يُعاد إنتاج القلق يومياً.

كنت أميل إلى قراءة الحرب بوصفها انتقالاً من اليابسة إلى البحر، هذا الفضاء الذي نظنه هادئاً. لكن التاريخ يقول غير ذلك: البحر كان دائماً مسرحاً للحرب، ولم يكن مضيق هرمز استثناءً. منذ سيطرة البرتغال على طرق المحيط الهندي في القرن السادس عشر، مروراً بالهيمنة البريطانية، ظل المضيق نقطة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع التجارة والاستغلال، حيث لا ينفصل الأمن عن الاقتصاد.

مع ذلك، تكشف أنثروبولوجيا البحار عن وجه آخر: البحر ليس فراغاً، بل شبكة علاقات. الهدوء لم يكن في الماء بقدر ما كان على الشاطئ، حيث نشأت علاقات تتجاوز الفرس والعرب واختلافاتهم الثقافية. كان الخليج فضاءً للصيد والتبادل، وتوثّق ذلك دراسات مثل Fishing for Faith (الصيد من أجل الإيمان)، عن علاقة الصيادين بالبحر وبالدين. غير أن هذه العوالم الهشة لا تصمد أمام الأساطيل.

لم يتغير البحر ولا موقعه، لكن تغيّر معناه: من ممر استراتيجي إلى عقدة نفسية واقتصادية في النظام العالمي، حيث يسبق توقّع الخطر وقوعه. لذلك تبدو المقاربة الجيوسياسية التقليدية، التي ترى المضيق من زاوية الدولة والسيادة، غير كافية. فهي تفترض أن البحر فراغ تتحرك فيه القوى الكبرى، بينما تراه أنثروبولوجيا البحار فضاءً لعلاقات عابرة للحدود. على ضفتي الخليج، تتداخل شبكات القرابة والعمل والتجارة اليومية بين عرب في إيران وعجم على الضفة الغربية، وصيادين يتشاركون المعرفة والرزق عبر الماء، في اقتصاد غير مرئي لكنه فعّال.

بهذا المعنى، الحرب في المضيق لا تقع في فراغ مائي، بل تمزّق شبكة حياة دقيقة. إغلاق الممر أو عسكرة مياهه لا يعني فقط تعطيل ناقلات النفط، بل قطع أرزاق الصيادين وتعطيل اقتصادات محلية قائمة على الصيد والنقل الصغير والتجارة غير الرسمية. هذه العوالم، التي تبدو هامشية في تقارير الأمن القومي، هي ما يمنح المضيق كثافته الإنسانية.

هنا يتضح مفهوم «جغرافيا القلق»: القضية ليست فيما يحدث مادياً فقط، بل في كيف يُستبطَن ويُتداوَل. الإعلام يحوّل الحوادث المحدودة إلى سرديات تهديد، والأسواق تترجم السرديات إلى أسعار، فيما تتعامل الدول مع الأسعار بوصفها مؤشرات خطر. النتيجة دائرة تغذية راجعة: القلق يولّد سياسات، والسياسات تعيد إنتاج القلق، فيتحول الإدراك إلى عامل مادي مؤثر.

خلال حرب الخليج 1990، كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن «حرب الخليج لم تقع»، في إشارة إلى حرب تُعاش عبر الشاشات ضمن ما سمّاه «الواقع الفائق» أو الهايبر ريالتي.

هذا التحول من الجغرافيا إلى الحالة الذهنية له تكلفة معرفية. حين نرى المضيق فقط كـ«عنق زجاجة»، نسقط تاريخاً طويلاً من التبادل الثقافي والديني وحياة يومية لا تختزلها خرائط النفط. كما نهمل فاعلين صغاراً، صيادون، بحّارة، وسطاء، يلعبون دوراً في استقرار هذا الفضاء بقدر ما تفعل القوى الكبرى. تجاهل هؤلاء يعني قراءة ناقصة، وبالتالي سياسات ناقصة.

ليس المقصود إنكار البعد الاستراتيجي، بل وضعه في سياق أوسع. الأمن لا يُختزل في موازين القوة، بل يشمل استقرار المجتمعات على حواف هذا الممر. والاقتصاد لا يتحرك فقط عبر ناقلات عملاقة، بل عبر قوارب صغيرة تحمل سلعاً وعلاقات ومعاني يومية.

إذا أردنا فهم مضيق هرمز، فعلينا أن نراه مفترقاً لثلاثة عوالم: الدولة، والسوق، والمجتمع.

«جغرافيا القلق» إذًا ليست استعارة أدبية، بل محاولة لفتح عدسة الرؤية لفهم طريقة إنتاج الخطر في زمن تتداخل فيه الشاشات مع الواقع. قد لا تبدأ الشرارة بصاروخ، بل بخبر. وقد لا تكون المعركة في البحر فقط، بل على الشاشات أيضاً. وبين صياد يخرج مع الفجر ومستثمر يراقب وول ستريت، يمتد خيط غير مرئي من القلق الكوني. إننا اليوم لا نتعامل مع مضيق في الخليج، بل نتعامل مع جغرافيا جديدة اسمها جغرافيا القلق، ستنتقل عدواها بكل تأكيد إلى مناطق جغرافية أخرى من العالم تنزع عنها صفاتها الجغرافية الذهنية، وتتحول إلى فضاء الإعلام «ميدياسكيب» ومن بعدها تنتقل إلى عالم جغرافيا القلق.

arabstoday

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

.. وإذا استأنفت الحرب

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

.. وإذا استأنفت الحرب

GMT 07:43 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

هذا الانتظار المعيب

GMT 06:58 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

كريستيان أمانبور !!

GMT 06:57 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

درس ترامب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جغرافيا القلق ومضيق هرمز جغرافيا القلق ومضيق هرمز



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon