عن انهيارنا العظيم المتمادي

عن انهيارنا العظيم المتمادي

عن انهيارنا العظيم المتمادي

 السعودية اليوم -

عن انهيارنا العظيم المتمادي

بقلم : حازم صاغية

في البرهنة على أنّ الثورات العربيّة لم تفشل، سادت لفترةٍ نظريّةٌ يقودها التفاؤل إلى البؤس. فقد قيل إنّ الحسم النهائيّ للتناقضات يستغرق دائماً أوقاتاً طويلة قبل أن يُكتب النصر وترسو الأمور على خلاص. ولهذا الغرض كان يُستشهد بالثورات الأوروبيّة، لا سيّما ثورة فرنسا في 1789 وثورات 1848.

لشديد الأسف، ليست الصورة على هذا النحو. فقد كان، ولا يزال، الغائب الكبير عن هذا التحليل، الحسَن النوايا، أنّ الثورات الأوروبيّة حصلت من ضمن عمليّة صعود طاولت كلّ شيء: من الدولة والمجتمع والاقتصاد إلى الثقافة والدين والقيم، وبالتالي كان العنف الذي استجرّته والمدى الذي استغرقه انتصارها، أو فشلها، أقرب إلى أزمات النموّ قياساً بحالات التحلّل التي أسفرت عنها الثورات العربيّة المضادّة بعد تداعي الثورات.

لكنّ ما يرقى إلى مصيبة لدينا أنّ ما تكشّف ويتكشّف، ممّا افتتحه إخفاق الثورات، أكبر كثيراً من أن يقتصر على ذلك. فهو يتجاوز كونه تعبيراً عن إحباط التغيير وظفَر التعفّن إلى اعتباره فشلاً لكلّ شيء وفي كلّ شيء. فكأنّنا، والحال هذه، عشنا عشرات السنين ونحن نتحايل ونتجاهل ونتنصّل بحيث تجمّعت الفواتير التي اعتقدنا أنّنا نجحنا في تفاديها، وبات علينا بضربة واحدة أن ندفع الفواتير المتراكمة جميعاً فيما نحن لا نملك شروى نقير.

فانتصار الثورة المضادّة سبب كافٍ لأن يفتح الباب على الخراب، لكنّه وحده أقلّ كثيراً من أن يفسّر مدى الانتشار الذي يشمله هذا الخراب العابر للحدود الوطنيّة، والمصحوب بعمق العنف الدائر، فضلاً عن انسداد الحلول وانعدام الآفاق. ومن دون أن تكون الأحوال الليبيّة أسوأ الأحوال، تبقى بين أكثر المرايا سطوعاً في الدلالة على تراكُب الثورة والحرب الأهليّة والانقلاب العسكريّ والتدخّلات الخارجيّة، فضلاً عن فصاحة تعبيريّة و «دستوريّة» في التدليل على التفتّت الظافر.

والأمر، في عمومه، ليس فشلاً لـ «الحضارة العربيّة» أو «الإسلاميّة»، إذ لا يقول مصطلح فضفاض كهذا شيئاً مفيداً ومحدّداً يخصّ حقبة بعينها. مع ذلك يبقى مدهشاً الحجم الجيولوجيّ لما يحصل.

فكيف يمكن أن يجتمع في منطقة واحدة، وفي المرحلة الزمنيّة عينها، انهيار دول بأمّها وأبيها، وانهيار شعوب تغادر بلدانها بالآلاف المؤلّفة؟ وكيف يمكن أن يتزامن انهيار الأفكار والطوائف والإثنيّات والأحزاب والإيديولوجيّات كأنّها أبراج من قشّ، وننتهي بلا أيّ جواب عن أيّ من الأسئلة الكثيرة؟ وكيف تغدو تدخّلات الدول المحيطة سبباً آخر للاقتتال إذ هذه الدول المتدخّلة تنطوي هي نفسها على العاهات العميقة إيّاها التي تنطوي عليها الدول المتقاتلة، عاملةً على تجنّب انفجارها من خلال تدخّلها؟ وكيف يجتمع في خلفيّة هذا الحدث الملحميّ العاصف بنا، وعلى مدى المنطقة، بلوغ «إنجازاتنا» ما يقارب الصفر في الحرّيّات وتوسيع مصادر القرار، وفي المساواة والعدالة الاجتماعيّة، وفي تمتين النسيج الوطنيّ، وفي الإصلاحات الدينيّة والثقافيّة كما في أحوال النساء؟
وإذا كان لجردة حسابيّة كهذه أن تقول شيئاً فهي تقول إنّ الشجاعة البطوليّة التي أبدتها شعوب الثورات العربيّة لا تكفي بذاتها للتغلّب على هذا المركّب المعقّد والشامل من الانكسارات المسبوقة بانهيارات كامنة، وأنّ ما قد يكون مطلوباً بإلحاح نظرة أخرى إلى الذات، وتقييم آخر لتاريخها الحديث بوجهه المتلقّي للاضطهاد ووجهه المنتج له، من فهمها التاريخيّ لنظام القرابة العصبيّ إلى استطالاته الإمبراطوريّة، العربيّة والإسلاميّة، ومن فهم السياسة وإلحاح الحرّيّة وضرورة الدولة والعلاقة بالآخر إلى إدراك أهميّة الفرد وانبناء الموقف الأخلاقيّ على هذا الإدراك، ومن الانتباه إلى العالم وعضويّتنا فيه إلى الانتباه إلى مسؤوليّتنا حياله التي تقابل مسؤوليّته حيالنا...

وإذا جاز نقد الخارج وتقصيره وأنانيّته، وهو جائز بالطبع، تقدّم هذا النقد على نحو موازٍ لقيامنا نحن بواجباتنا حيال أنفسنا، قبل أن تكون حيال العالم. ذاك أنّ اتّهامه بعدم إنقاذنا لا يعني شيئاً إلاّ بالتناسب مع إنقاذنا أنفسَنا في ظلّ فهم كونيّ للعالم يناظر مطالبتنا له بأن يفهمنا. فإذا عزفنا عن مسؤوليّتنا وطالبناه بمسؤوليّته كنّا كمن يطلب الشفقة أو يطلب الإعالة، والعالم ليس شفوقاً ولا معيلاً.

arabstoday

GMT 15:04 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

تأمين الجغرافيا اليمنية

GMT 15:08 2024 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

... إنّها حرب تطالبنا بأن ننسى كلّ شيء تقريباً

GMT 16:41 2024 الأحد ,14 كانون الثاني / يناير

رياض الترك وكريم مروّة: شيوعيّان عربيّان لم يعودا كذلك

GMT 10:43 2024 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الصهيونيّة المتقلّصة والصهيونيّة المتمدّدة

GMT 09:05 2024 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

في أنّ قوّة «حلّ الدولتين» نابعة من استحالة بدائله

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن انهيارنا العظيم المتمادي عن انهيارنا العظيم المتمادي



GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 06:02 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 18:45 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 08:39 2016 السبت ,19 آذار/ مارس

البحرين يقصي البسيتين من كأس ملك البحرين

GMT 03:42 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

اتصال هاتفي يجمع جوارديولا وبن ناصر

GMT 11:36 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

شفاء 204 حالة من فيروس كورونا في الكويت

GMT 01:00 2013 الجمعة ,30 آب / أغسطس

سيرة دوناتيلا فيرساتشي ستعرض في عمل فني

GMT 16:10 2015 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

اصنعي بنفسك حقيبة صغيرة مزينة بالكريستال

GMT 04:49 2016 الإثنين ,13 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تستخدم لقطات فيديو ضد ترامب

GMT 15:20 2019 السبت ,05 تشرين الأول / أكتوبر

" وصايا" للكاتب عادل عصمت الأكثر مبيعًا بالكتب خان

GMT 13:34 2018 الثلاثاء ,30 كانون الثاني / يناير

Secret wooden house لمحبي الغموض والتجارب الفريدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon