أوروبا ضدّ الشعبويّين

أوروبا ضدّ الشعبويّين؟

أوروبا ضدّ الشعبويّين؟

 السعودية اليوم -

أوروبا ضدّ الشعبويّين

بقلم : حازم صاغية

ترتعد فرائص الديموقراطيّين الأوروبيّين وهم يرسمون الحدود التي باتت تحدّهم: دونالد ترامب، في ما وراء الأطلسيّ، حيث يوحي صعوده بالتخلّي عن الحماية الأميركيّة للديموقراطيّة في أوروبا، والتي استعرضت نفسها بفعاليّة مرّتين في القرن العشرين. 

وفلاديمير بوتين إلى الشرق، يردّ على الوجهة التاريخيّة في «تغريب روسيا»، أي دمقرطتها، بـ «ترويس أوروبا»، أي تعزيز مواقع الاستبداد فيها، على ما بات يفضحه دعم موسكو أطرافَ اليمين المتطرّف في «القارّة القديمة». ورجب طيّب أردوغان إلى الجنوب، بسلطويّته المتعجرفة ومثاله السلطانيّ، وبورقتي ابتزازه: اللجوء والإرهاب.

وفي داخل هذه الحدود، يقضم اليمين الأقصى موقعاً ويتهيّأ لقضم مواقع أخرى، فيكمّل برابرةُ الداخل برابرةَ الخارج في استهدافهم مهد الحداثة والديموقراطيّة ومسرح الأمن والتوتّر الدوليّين.

لكنْ كيف تردّ أوروبا الديموقراطيّة؟
لا بدّ، أوّلاً، من التذكير ببعض نقاط القوّة التي باتت الصدمات تحجبها: فالهزيمة في بريكزيت لم تحصل إلاّ بفارق ضئيل، وفي امتداد ذلك نالت هيلاري كلينتون أكثريّة العدد المقترع بفارق مليونين، وتتصاعد الدعوات لإعادة الانتخاب، أو إعادة العدّ، في الولايات الأميركيّة الرجراجة. وفي أوروبا، كما في أميركا، صوّت العنصر الشبابيّ للديموقراطيّة، لا للشعبويّة، ما يوحي بأنّ الأخيرة لن تأمن المستقبل ولن يهادنها المستقبل، وهذا فارق كبير بين يومنا والثلاثينات الفاشيّة. وأخيراً، ليس ثمّة بين الشعبويّين الحاليّين من أعلن أنّه سيلغي العمليّة الانتخابيّة أو يضع حدّاً للديموقراطيّة.

لكنّ ذلك لا يمنع من تفحّص النواقص التي يستحقّ بعضها الاستدراك فيما يحضّ بعضها على المراجعة:

فشجاعة أنغيلا مركل، التي تستدعي الإكبار، لا تُغني عن مخيّلة تعيد تصوّر أوروبا، وتعاود اختراعها، من غير أن تكتفي بتقديم ردود حدثيّة على وجهة عريضة وعامّة. وهنا يتبدّى أنّ سياسة ميركل المتقدّمة حيال اللجوء استنفدت المخيّلة السياسيّة الألمانيّة، فلم تتقدّم لتجيب عن أزمة تتعدّى السياسة إلى الحضارة ذاتها.

كذلك لا تزال الأحزاب المحترمة، في «اليمين» و «اليسار»، تتجاهل الاستجابة لأصوات مثقّفين وكتّاب يطالبون بإيلاء اهتمام أكبر للمسألة الاجتماعيّة. لقد اتّضح اليوم، لمن لم يتّضح له بالأمس، أنّ «الطريق الثالث» لتوني بلير وبيل كلينتون وغيرهارد شرويدر وليونيل جوسبان لم يفعل، في محاباته النيوليبراليّة، سوى دفع المزيد من اليائسين والمفقرين إلى أحضان الشعبويّين، وترك شعبويّين آخرين من طينة جيريمي كوربن يواجهون التحدّي المطروح بخفّة صبيانيّة.

واليوم، في أحزاب الاشتراكيّة الديموقراطيّة الأوروبيّة كما في الحزب الديموقراطيّ الأميركيّ، غدا مُلحّاً استرجاع هذه الأحزاب بوصفها أدواتٍ نضاليّة وسياسيّة وفكريّة بعدما حُوّلت مجرّد وظائف انتخابيّة يقتصر دورها الموسميّ على جمع التبرّعات. فسذاجة التسعينات عن الخطّ المستقيم والصاعد لازدهار «القرية الكونيّة» في «ما بعد التاريخ» تكشّفت عن خراب عظيم لا يُعالَج بالأسباب التي أدّت إليه. وما يضاعف هذا الإلحاح أنّ المناخ الذي لا يزال يهبّ بقوّة، عبر تيريزا ماي البريطانيّة أو، ربّما في غد أسود آخر، فرانسوا فيّون الفرنسيّ، لا يشجّع على افتراض معالجات للأزمة التي انفجرت في 2008 قبل أن يكرّسها الصعود الشعبويّ الراهن.

وتجوز المغامرة بالقول إنّ أوروبا تنتظر الركيزة الصلبة لتجديد إقلاعها الديموقراطيّ، وهي ما لن ينتجه إلاّ ائتلاف بين ليبراليّين يناهضون النيوليبراليّة ويساريّين يناهضون العنف ويقطعون تماماً مع أشكال الحكم الاستبداديّ.

لكنْ إذا كان «اليمين» و «اليسار» المحترمان لا يزالان يكابران في المسألة الاجتماعيّة، فثمّة تهوين ملحوظ في أمر التطرّف بإنجازاته كما بشعاراته. فاليوم يتبيّن كم كان من الحمق النظر إلى انتخاب باراك أوباما («الأسود»، «المسلم») كإنجاز «شكليّ»، أو التشكيك بسياسة مركل في اللجوء ووصمها بالقصور أو الانتهازيّة. وكم كان من الحمق اعتبار أنّ «الجماهير» في الغرب قادرة أن تهضم جرعات راديكاليّة أكبر وأشدّ استجابة لـ «الصواب السياسيّ» على أنواعه!

والحال أنّ موقفاً مركّباً يجمع بين الاعتدال في التحويلات الاقتصاديّة التي تخدم مصلحة الأكثريّات الشعبيّة، والاعتدال في التحويلات الثقافيّة بما يخدم التقدّم والمساواة، سيكون أقدر على دفع الأمور في اتّجاه يمتصّ الارتداد الارتجاعيّ لشعبويّ هنا أو فاشيّ هناك.

وهو، في الحالات جميعاً، زمن مكثّف ومشبع بالدروس لأوروبا وأميركا اللتين لا نملك ولا يملك عالمنا إلاّ أن ينتظر دروسهما.

arabstoday

GMT 15:04 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

تأمين الجغرافيا اليمنية

GMT 15:08 2024 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

... إنّها حرب تطالبنا بأن ننسى كلّ شيء تقريباً

GMT 16:41 2024 الأحد ,14 كانون الثاني / يناير

رياض الترك وكريم مروّة: شيوعيّان عربيّان لم يعودا كذلك

GMT 10:43 2024 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الصهيونيّة المتقلّصة والصهيونيّة المتمدّدة

GMT 09:05 2024 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

في أنّ قوّة «حلّ الدولتين» نابعة من استحالة بدائله

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا ضدّ الشعبويّين أوروبا ضدّ الشعبويّين



GMT 19:29 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز اهتمامات الصحف الفلسطينية الصادرة الاثنين

GMT 18:53 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر سيارة هوندا بايلوت موديل 2018

GMT 02:19 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

جوجل تطلق تحديث جديد لتطبيق Google Photos

GMT 19:53 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الهلال يكشف اسباب صعوبة ديربي جدة

GMT 17:04 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

رياض محرز ينقطع عن ليستر لأجل غير مسمى

GMT 10:41 2014 الإثنين ,17 شباط / فبراير

عطر "هيرا" يغمر شعرك بالحماية والترطيب

GMT 13:56 2014 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

مانولو بلانيك في أسبوع "نيويورك"

GMT 21:31 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

سميحة أيوب تحل ضيفة على مشروع "الملهم"

GMT 13:02 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة سهلة لإعداد بسكويت جوز الهند الهش

GMT 05:03 2014 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

العطس داخل الطائرات يتسبب في انتشار الأمراض المعدية

GMT 09:41 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

مواد بناء بديلة من المخلفات أوائل 2013 في مصر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon