هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة
أخر الأخبار

هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة؟

هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة؟

 السعودية اليوم -

هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

لم تشكّل حرب «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد» وسقوط النظام السوريّ أحداثاً حربيّة ضخمةً فحسب، بل كانت أيضاً حدثاً آيديولوجيّاً جبّاراً مفاده انهيار السرديّات النضاليّة التي سيطرت لعقود على المنطقة.

فالإخوانيّة السنّيّة ممثّلة بـ«حماس» أصيبت بضربة قاتلة شاركتها مأساتَها المسألةُ الفلسطينيّة في قراءتها الإسلاوميّة. والتداعي نفسه أصاب، بإصابته «حزب الله»، الشيعيّةَ الراديكاليّة، ومعها تصوّر للبنان كقاعدة ميليشيويّة مُعدّة للاستخدام الخارجيّ. وبإزاحة الأسد ونظامه نُقلت البعثيّة السوريّة إلى مثواها. وقد تفرّد الحدث الأخير هذا بخلوّه من المزاعم البطوليّة التي سُمع ضجيجها في غزّة ولبنان. وعلى العكس، تلقّى النظام الإيرانيّ ضربة ذات صدى مُدوٍّ يُسمع في انكشاف ضعف النظام على الأصعدة كافّة، وفي تجرّؤ الإيرانيّين عليه وعلى قِيَمه.

ويجوز القول، في الحصيلة، إنّ عالماً بكامله، بتيّاراته العريضة وتصوّراته ووعوده ونظرته إلى نفسه وإلى الكون، ينهار.

ففي هذه الخانة العريضة يندرج الوعي القوميّ العربيّ ممثّلاً بالبعث. وإذا صحّ قول القائلين إنّ الأخير شوّه الوعي القوميّ وجعله وظيفيّاً من صنف رخيص، فهذا لا يلغي أنّه اصطحبه في رحلته الوداعيّة الأخيرة. كذلك يندرج انهيار الوعي الإسلاميّ الراديكاليّ، وتالياً تصدّع المقاومات وفولكلورها وأدبيّاتها، علماً بالموقع المركزيّ الذي احتلّته في ثقافة سياسيّة ترقى أصولها إلى وفادة الغرب في أواخر القرن التاسع عشر. وبالطبع فحساب الآيديولوجيّات لا يغني عن حساب البلدان والشعوب التي حُملت على اعتناقها. فسوريّة ولبنان وفلسطين، وكذلك إيران، وربّما العراق، تجد نفسها أمام أسئلة كبرى تطرحها التحوّلات المذكورة، مرفقة بالتداعيات الإقليميّة والدوليّة التي ستنجرّ عن ذلك. فنحن، في آخر المطاف، نتحدّث عن منطقة شديدة الأهميّة والغنى والتأثير في سواها، يقيم فيها أكثر من 150 مليون نسمة على مساحة تقارب المليونين والـ400 ألف كيلومتر مربّع.

فنحن، بالتالي، أمام بيوت آيديولوجيّة مهجورة، يؤكّد ضخامةَ ما ألمّ بها أمران: كونُها عقائد رسميّة فُرضت، ولو بتفاوت، على الشعوب والمجتمعات المعنيّة، وكونها عاشت أكثر من ستّة عقود في حالة النظام البعثيّ، وما يقارب العقود الخمسة في حالة النظام الخمينيّ. وليس من الصعب التنبّه إلى ضخامة هذه التحوّلات من زاوية أخرى هي الكلام الذي يصدر عن بقايا القوى المتساقطة. فتحت تأثير الصدمة المهولة، وإنكاراً لها في الوقت نفسه، يزدهر تمجيد سحريّ لـلزمن السابق على الاحتكاك بالغرب، أي الانسحاب من العالم المعاصر، أو تنتشر دعوات تستخفّ بالعقل راسمةً صوراً للواقع لا صلة لها به.

وهذا إنّما يتركنا أمام فراغ يلحّ على إعادة تأسيس المعاني، وبمعنى ما إعادة تأسيس الزمن، كيما تُفهم الذات ويُفهم العالم الذي يراد أن يعاش فيه على نحو مختلف.

لكنْ ثمّة من يميل إلى التصغير من شأن المهمّة تلك بافتراض أنّ «الآيديولوجيا ولّت وجاء زمن التكنولوجيا الحياديّة». وهذا مع العلم أنّ التكنولوجيا هي أيضاً آيديولوجيا، وهو من أهمّ ما علّمه مارتن هايدغر، شيخ شيوخ كارهي التكنولوجيا بالضبط لأنّها آيديولوجيا. فهي، كما رآها، ليست مجرّد أدوات نتحكّم بعملها، بل طريقة تاريخيّة يصبح العالم من خلالها مفهوماً لدينا. ومن يراجع مقالته الشهيرة «السؤال المتعلّق بالتكنولوجيا»، والتي يكثر الاستشهاد بها منذ نشرها في 1954، يدرك أنّ الفكرة الأساسيّة التي دافع عنها الفيلسوف الألمانيّ هي أنّ التكنولوجيا الحديثة، على النقيض من الحِرَف القديمة التي تتطوّر بالتفاعل مع الطبيعة، إنّما تتكشّف من خلال التنظيم والتحكّم والتعامل مع العالم بوصفه مخزوناً من الموارد التي يتوجّب استغلالها على النحو الأمثل. وهكذا تتحوّل الأنهار احتياطيّات للطاقة، والغابات إلى مخزون للخشب، بل يصبح البشر أنفسهم «موارد بشريّة» تنتظر الاستخدام. وهكذا تُشكّل التكنولوجيا، في عرف هايدغر، طريقة تفكيرنا، وليس فقط ما نبنيه ونُنشئه. فهل هناك ما هو أكثر آيديولوجيّة؟

لكنْ بمعزل عن الرأي المذكور، لن تجد المنطقة في التكنولوجيا، كما لن تجد في غيابها، ما يمهّد لاحتياجاتنا المُلحّة التي نغادر معها الفراغ الذي يُحدثه تبخّر الآيديولوجيّات النضاليّة، كالبناء الوطنيّ وتطوير الأساطير المؤسّسة لاجتماعنا أو ربّما تفكيك هذا الاجتماع والتفكير في بدائله.

بيد أنّ ممّا يستحيل تجاهله في هذه اللوحة المتداخلة أنّ الوعي الإسرائيليّ الذي خيضت به الحروب خرج منتصراً ومتباهياً. وهذا لئن بدا طبيعيّاً، بمعنى أنّ المنتصر عسكريّاً مرشّح أن يكون المنتصر آيديولوجيّاً، فإنّه سيكون خطيراً جدّاً في ظلّ ما ينطوي عليه الوعي المذكور من نزعتين قوميّة ودينيّة مسعورتين وتوجّه استيطانيّ جلف. واستناداً إلى معطيات كهذه لا بدّ أن تتزايد صعوبات البحث عن بدائل لآيديولوجيّاتنا المنهارة وأن تنخفض عوائده، هذا إذا قُيّض لبحث كهذا أن يبدأ أصلاً.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon