إسرائيل الجيولوجيّة

إسرائيل الجيولوجيّة

إسرائيل الجيولوجيّة

 السعودية اليوم -

إسرائيل الجيولوجيّة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

منذ أن تحدّث بنيامين نتنياهو في لقاء تلفزيونيّ أجري معه العام الماضي عن «إسرائيل الكبرى»، وأظهر خريطة يُفترض أنّها خريطتها، معبّراً عن تأييده الفكرةَ هذه بوصفها «رسالة تاريخيّة وروحيّة»، ومؤكّداً انشداده إليها، تلاحقت أحداث وأقوال في المنحى نفسه.

والموقف الخطير هذا، وما تلاه ممّا يشبهه، لا يكفيان لبناء الاستنتاج الذي توصّل إليه الممانعون بطريقتهم المعهودة، وهي أنّ هناك خطّة ناجزة ومسبقة ودائمة تقضم إسرائيل بموجبها أراضي البلدان الأخرى. فالرأي الممانع هذا موجود قبل عشرات السنين على قول نتنياهو ما قاله. مع هذا، هناك أسباب وجيهة للتنبيه إلى مناخ إسرائيليّ مريض ومتفاقم راهناً، مناخٍ لا يعوزه الدعم والإسناد. أمّا المسبّبات المباشرة للمناخ هذا فحاجة رئيس الحكومة الإسرائيليّة إلى ملاطفة الأحزاب الدينيّة المسعورة والنزول عند رغبتها لإبقائها ضمن ائتلافه المهدَّد، وكذلك وضعه القانونيّ الرجراج المتطلّب للتوتّر، والذي لم تنجح مداخلات الرئيس الأميركيّ في إعفائه منه. وفوق هذا، شعوره بأنّ توازنات القوى وأحوال المنطقة والعالم تتيح له الذهاب في الرغبات أو الأوهمة إلى حيث يشتهي.

لكنّ المناخ المذكور يتغذّى على ما هو أبعد من العوامل السياسيّة المباشرة، وهذا ما نراه جليّاً على أرض الواقع. فما يفعله الحكم القوميّ – الدينيّ في إسرائيل لم يعد يندرج في تغيير الأنظمة والسياسات، أو في تصويب أوضاع بعينها بما يقتلع الأضراس العدوانيّة أو التي تراها إسرائيل كذلك. فهو يصبّ، أو يُراد له أن يصبّ، في تغيير الطبيعة نفسها. فنحن بات يَسعنا اليوم، ومن غير مبالغة، أن نتحدّث عن طور جيولوجيّ إسرائيليّ يغيّر تلك الطبيعة، أرضاً وبيئةً، وربّما بشراً أيضاً، في غزّة خصوصاً ولكنْ أيضاً في جنوب لبنان.

ولئن قيل إنّ إسرائيل، التي هوجمت من غزّة ولبنان، انتقلت من حقّ الدفاع عن النفس إلى الممارسة الإباديّة الصريحة، فما الذي يمكن قوله عن الضفّة الغربيّة حيث قضى آخر القرارات الرسميّة بضمّ أراضٍ فلسطينيّة واسعة إلى «أملاك الدولة»، وباستحداث وظائف جديدة وموازنات لخدمة هذا الغرض، وهو ما يحصل للمرّة الأولى منذ احتلال الضفّة الغربيّة في حزيران/يونيو 1967؟

يحصل هذا في موازاة أعمال مستمرّة ومتواصلة من القضم والجرف والحصارات المتنقّلة، وحجب عائدات الضرائب عن السلطة الفلسطينيّة، وتوسيع نطاق إنفاذ القانون الإسرائيليّ هناك، والقطع المتعمّد للتيّار الكهربائيّ، ناهيك عن السعي المكشوف الذي لا يكلّ إلى دفع السلطة في رام الله نحو الانهيار.

وكما في حالات مشابهة عرفها التاريخ الحديث فإنّنا، هنا، نقع على الظاهرات إيّاها التي تزوّدنا بها الأفعال الثوريّة القصوى في تصدّيها لتغيير جذريّ يطال الطبيعة. فهناك اليقين الأخلاقيّ بامتلاك الصواب، وهو ما لا يفارق أقوال نتانياهو وسموتريتش وبن غفير وبعض قادتهم العسكريّين، وهناك التوكيد على فراغٍ هم وحدهم، بصفتهم مخلّصين، من يسدّه ويملأه، وهناك الإصرار على هندسة اجتماعيّة راديكاليّة سوف يجرونها، وعلى تصفيات لا بدّ منها لأنّها أقرب إلى تطهير واجب، وبالطبع هناك الدعوة إلى تحمّل آلام الحاضر إذ هي ضرورة حيويّة للمستقبل الموعود.

وإذا كان ضمور العمل بالقانون الدوليّ وضعف التقيّد بالأعراف ممّا يشجّع هذا التوجّه ويزكّيه، فإنّ أصحابه يميلون دائماً إلى إسباغ الحتميّة عليه، إذ العمليّات الطبيعيّة غالباً ما تجنح إلى الحتميّة، تماماً كحال الأرض إذ تستمرّ في الدوران حول الشمس، أو حال المدّ والجزر في خضوعهما لقوانين الجاذبيّة.

وتقول إحدى النظريّات الثوريّة التي لازمت طويلاً تاريخ الأفكار والأفعال إنّ المجتمعات تحكمها «قوانين طبيعيّة»، وحين نكتشف هذه القوانين ونطبّقها نكون نغيّر الحياة وفق ما نراه صائباً. هكذا قد نجعلها اشتراكيّة مثلاً، على ما رأى كارل ماركس، وقد نجعلها مسرحاً لبقاء الأصلح، كما رأى هِربرت سبنسر، بل قد نجعلها أيّ شيء نُفتي بأنّ القوانين تُحتّمه على الحياة.

والحقّ أنّ نشأة إسرائيل تنطوي، من بين الأبعاد التي تنطوي عليها، على بُعد جيولوجيّ حادّ، يجسّده اقتلاع السكّان الفلسطينيّين منذ 1948 وتغيير معطيات كثيرة في الواقع المعاش. فحين يضيف الدينيّون إلى هذا البُعد رؤيويّتهم الإيمانيّة تغدو القداسة جاراً يلازم المهمّة التحويليّة الضخمة ويقيم دوماً على تخومها.

وكان لتجارب التاريخ المُرّ والحروب واستحالات السلام أن شكّلت تربة ترعرعت فيها النزعات الجيولوجيّة القويّة على اختلافها، فراح كلّ طرف يتوهّم استئصال الطرف الآخر و«تحرير» الأرض منه وإرجاعها إلى ما كانتْه ذات مرّة، أو ما زُعم أنّها كانتْه. ولم يكن صدفةً أنّ الطرف الإسرائيليّ كان، ولا يزال، الأقدر على فرض برنامجه الجيولوجيّ الطموح والمتجرّىء. بيد أنّ الجيولوجيّة الإسرائيليّة لا تمنح مقاوميها أيّة حجّة ولا تخفّف من مسؤوليّتهم ومسؤوليّة مقاومتهم الخرقاء عمّا اتّجهت إليه الأمور وتتّجه. لكنّ تعامل هؤلاء بإنكار التحوّلات الجيولوجيّة القسريّة التي تنفّذها الدولة العبريّة لا يوجب على أحد أن يحبّ الزلازل والفيضانات والبراكين المجنونة والقاتلة التي تصدر عن الفعل الإسرائيليّ.

arabstoday

GMT 12:14 2026 الأربعاء ,25 شباط / فبراير

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة؟

GMT 12:10 2026 الأربعاء ,25 شباط / فبراير

«الوفد» يتذكر

GMT 12:06 2026 الأربعاء ,25 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع: الكويت وريح الصَّبا وكاظمة

GMT 11:57 2026 الأربعاء ,25 شباط / فبراير

هل هي الحرب إذن؟!

GMT 11:51 2026 الأربعاء ,25 شباط / فبراير

يوم ليس كسائر الأيام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل الجيولوجيّة إسرائيل الجيولوجيّة



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - السعودية اليوم

GMT 13:58 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

محمد عبده ينفي شائعة الاعتزال ويتمتع بصحة جيدة
 السعودية اليوم - محمد عبده ينفي شائعة الاعتزال ويتمتع بصحة جيدة

GMT 04:36 2018 الأحد ,11 شباط / فبراير

دينا يحيى تعكف على حل المشكلات الاجتماعية

GMT 04:45 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مايوكا يؤكد بأن وجود ميدو أهم أسباب انتقاله للزمالك

GMT 06:43 2018 الأربعاء ,14 آذار/ مارس

السكان الأصليون لأستراليا يمتلكون 400 لغة

GMT 23:17 2019 الخميس ,09 أيار / مايو

عبد الحفيظ يكشف تعرض الأهلي لحملة ممنهجة

GMT 13:13 2018 الثلاثاء ,03 تموز / يوليو

الجزائر تشرع في التخلي عن نظام الدعم الاجتماعي

GMT 15:28 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

65 % من القضايا في المحاكم السعودية نزاعات عقارية

GMT 20:03 2018 الثلاثاء ,16 كانون الثاني / يناير

عمليّات تطهير متزامنة في نينوى ومطيبيجة وجزيرة سامراء

GMT 08:28 2017 الإثنين ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

المعلم

GMT 00:25 2017 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب الأردن يؤكد التاريخ وحده لا يكفي للفوز

GMT 02:30 2017 الأربعاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

"أين عمري" أبرز الأعمال السينمائية التي شاركت فيها الحيوانات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon