الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين

الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين

الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين

 السعودية اليوم -

الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

هناك خلافات فكريّة كثيراً ما تشقّ المجتمعات، حسمُها يستغرق عشرات السنين، علماً بأنّها قد لا تُحسم. لكنّ المؤكّد أنّ استقرار تلك المجتمعات، وبقاءها مجتمعاتٍ، مرهونان بذاك الحسم المأمول.

وبين اللبنانيّين خلاف من هذا الصنف يدور حول «الانعزاليّة» ومَن هو «الانعزاليّ»؟ ومن هذا الخلاف تنبثق النعوت الأخلاقيّة والتشهيريّة ممّا يتّصل بـ«الخيانة» و«العمالة» وسواهما.

أمّا أهميّة المفهوم هذا، في سياقه اللبنانيّ، فتنبع من سماحه باتّباع سياسات تُفرض فرضاً، تطال الحياة والموت، والحرب والسلم، بذريعة أنّ من يرفضها «انعزاليّ». وأمر كهذا ليس بغريب عن تقليد شهير عرفته بلدان عدّة ركبها الطغيان القادم على صهوة الفكرة «الصائبة» التي يرقى رفضها إلى «خيانة» و«عمالة».

وفي أصول الاتّهام بالانعزاليّة، العائد إلى قرن، أنّ الانعزاليّ هو من يحبّ فرنسا والغرب، لكنّه لا يحبّ العرب. بعد ذاك تطوّرت الحجّة الاتّهاميّة الأبرز وهي أنّ الانعزاليّ مَن لا يريد زجّ لبنان في حروب يُفترض أنّها حروب العرب. لكنّ الثمانينات وفّرت امتحاناً لافتاً: فإبّان حرب العراق وإيران، وقفت الدول العربيّة في صفّ العراق، وتفرّد «أعداء الانعزاليّة»، أي سوريّة الأسد و«حزب الله»، بالوقوف في صفّ إيران.

وإذ شهدت العقود المتتالية أوسع الانفتاح على المحيط العربيّ، يمارسه الموصوفون بالانعزاليّة، بقيت الأوصاف الشائعة على حالها، إذ إنّ العرب الذين يتمّ الانفتاح عليهم غير مقاتلين. وهكذا فالصفات التي تصحّ في العرب الافتراضيّين لا تصحّ فيهم. وحتّى حين غدت الأكثريّة الكاسحة من العرب من غير المقاتلين لم يتغيّر الاتّهام. فأن تكونَ غير انعزاليّ معناه أن تقاتل، أو تمجّد القتال وتحضّ عليه.

واستمرّ الإصرار على توجيه الاتّهام نفسه حين أضحت الحروب، التي يُراد الاندراج فيها، حروباً إيرانيّة هي في شطر أساسيّ منها حروب على العرب. وقد عرفنا مؤخّراً، مع الحرب الراهنة، أنّ القصف الإيرانيّ الذي طال بلداناً عربيّة بلغ ثمانية أضعاف ما طال إسرائيل.

بلغة أخرى، فإنّ نقيض الانعزاليّة، عملاً بهذا التصوّر، هو القتاليّة، وليس العروبة كائناً ما كان معنى هذا التعبير. وهو تصوّر أتيحت له فرص للتجريب لا تُحصى، كما أُتيحت فرص مقابلة لتجريب عكسه. ففي حربي 1967 و1973 مثلاً، لم يقاتل لبنان وتفرّد، بين الدول المحيطة بإسرائيل، بكون أرضه لم تُحتَلّ. ومذّاك وهو، بقيادة خصوم الانعزاليّة المفترضين، يقاتل ويتعرّض لاحتلال بعد آخر.

وتبعاً للتجارب وتكرارها، بات يمكن الجزم بأنّ لبنان لا يجوز أن يكون بلداً مقاتلاً، بل لا يمكن، تبعاً لضعفه ولانقسام جماعاته حول مسألة القتال، أن يكون بلداً مقاتلاً. وهو، أكثر من هذا، لا ينبغي أن يصير بلداً مقاتلاً تستولي عليه عسكرة الحياة فتغيّر معناه ووظائفه تغييراً كاملاً. وقد سبق للمصابين بحبّ القتال أن عالجوا هذه المشكلة مقترحين أنماطاً حربيّة من الاقتصاد والتعليم تدمّر ما لم تنجح في تدميره أنماطهم الحربيّة من الحياة.

وامتحان الامتحانات هو ما نعيشه اليوم، حيث تولّت صواريخ «حزب الله»، «إسناداً» لإيران، زجّ البلد الصغير وشعبه في حرب لا نبالغ إن وصفناها بالقارّيّة ذات البُعد الكونيّ النافر، وتالياً زجّه في كارثة يفتقر إلى أدنى مقوّمات التغلّب عليها وعلى مضاعفاتها. وإذا كانت تجارب الماضي تصلح حَكَماً، وهي في أغلب الظنّ تصلح، فإنّ مقاومة «الحزب» صارت تستحقّ أن تُدرّس، لا بوصفها طريقاً إلى ردع الاحتلالات ومنعها، بل بوصفها طريقاً مضموناً إلى الوقوع في قبضتها، وانتظار عودتها في لحظات التفلّت من تلك القبضة.

فإذا أضفنا أنّ ما فعله «الحزب»، مرّة بعد مرّة، يقترن بصفات «التفرّد» و«الاستثناء» قياساً بباقي اللبنانيّين، وبخيار إيرانيّ يستهدف العرب قبل أن يستهدف سواهم، صحّ القول إنّ النزعة القتاليّة هي بالضبط النزعة الانعزاليّة. لكنّها، هذه المرّة، انعزاليّة متعاظمة يرى بعض المراقبين أنّها شرعت تقتات على جلدها وقد تتحوّل انعزالاً عن «بيئة الحزب» نفسها – تلك البيئة التي يُفترض أنّ الجماعة الخمينيّة إنّما نشأت أصلاً للدفاع عنها. ذاك أنّ البيئة المذكورة، وقد تجرّعت من قتال «حاميها» ما تجرّعت، قد تباشر الانفكاك عنه وتبقيه وحيداً بصحبة طلقات ناريّة متناقصة لا يتّصل إلاّ بها. فالتفاوت غدا هائلاً بين استكمال تحوّله، في هذه الحرب، مجرّد امتداد لإيران، وهذا ما تكفي لملاحظته نشرة أخبار سريعة تُلحق الخبر اللبنانيّ تلقائيّاً بالخبر الإيرانيّ، وبين انعدام الحساسيّة حيال المواطنين اللبنانيّين عموماً، ولكنْ خصوصاً حيال المواطنين الشيعة، الجنوبيّين والبقاعيّين، ممّن عُرّضوا بمئات آلافهم، وليس للمرّة الأولى، للموت والجوع والنزوح بألمه وذلّه اللذين لا يُحتملان.

لكنْ في الأحوال كافّة تضعنا هذه الكارثة التي أقحمنا فيها قتال «حزب الله» أمام إلحاح المراجعة الشاملة لتاريخنا الحديث وللمفاهيم التي ارتكز إليها، وخصوصاً منها مفهوم الانعزاليّة. فعدم حصول هذا، وعدم الاتّفاق على المعاني والمفاهيم هذه المرّة، يطلقان رصاصة الرحمة على لبنان، بعد إطلاقها على اللبنانيّين.

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon