بقلم : حازم صاغية
يستعيد لبنانيّون كثيرون، هذه الأيّام، حالات تاريخيّة معروفة، كتقسيم بولندا غير مرّة نتيجة وقوعها بين روسيّا وألمانيا، أو حياد بلجيكا في الحرب العالميّة الثانية الذي لم يحترمه النازيّون في هجمتهم الكاسحة على الدول الديمقراطيّة المجاورة. وقد يذهب طلاّب التاريخ القديم أبعد، مستشهدين بتجربة ميلوس التي عرّفنا بها تأريخ المؤرّخ الإغريقيّ ثوسيديدس للحرب البيلوبونيسيّة. فقد حاولت دولة ميلوس الضعيفة، والقائمة فوق جزيرة صغيرة، البقاء على الحياد خلال تلك الحرب الدائرة بين أثينا وإسبارطة. بيد أنّ رغبتها في النأي بنفسها عن الصراع، لم تُعفِها من مطالبة أثينا لها بالاستسلام، ومن تعرّضها للغزو الأثينيّ تالياً. أمّا المبدأ القاسي الذي يصيغه ثوسيديدس فهو أنّ «الأقوياء يفعلون ما في وسعهم فعله، والضعفاء يتحمّلون ما ينبغي عليهم تحمّله».
وفي 2010 أصدر الكاتب والصحافيّ البريطانيّ ديفيد هيرست كتاباً سمّاه «احذروا الدول الصغيرة: لبنان، ساحة معركة الشرق الأوسط»، ينسج على المنوال نفسه. فقد رأى الراحل هيرست، الذي أقام معظم سنيّ عمره في بيروت، أنّ لبنان غدا، وعلى نحو متكرّر، مسرحاً لصراعات القوى الإقليميّة والدوليّة، وأنّ هذا عائد في معظمه إلى بُنيته الداخليّة الطائفيّة المعطوفة على موقعه الاستراتيجيّ، ما يحرمه التصرّف كفاعل سياسيّ.
وعلى النحو هذا تستحقّ الدول الصغيرة أن تُعامَل بالحذر لأنّها شديدة القابليّة للتحوّل ساحاتٍ خطيرة لنفوذ الدول العظمى. وهذا بالفعل ما عشناه مراراً ولا نزال نعيشه كمسار متعاظم.
لكنّنا، في المقابل، نقع على حالات معاكسة، حيث رعت دولٌ كبرى دولاً صغرى، محترمةً ضعفها أو حيادها، كحالة أوروبا الديمقراطيّة في علاقتها بسويسرا والنمسا وبلجيكا ودول الشمال، أو حالة الولايات المتّحدة حتّى سنة خلت في علاقتها بكندا.
وهذا ما يعني أنّ نقد الدول الصغرى لا يكفي، أو لا يكتمل، دون نقد الدول الكبرى المجاورة لها والمحيطة بها.
كائناً ما كان الأمر، نلاحظ في الحرب الدائرة راهناً في لبنان مفارقة لافتة: فهي، كما يُفترض، من متفرّعات الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة – الإيرانيّة، إلّا أنّه من شبه المؤكّد أنّ توقّف الثانية، إذا توقّفت، لن يوقف الأولى. وهذا إنّما ينمّ، بين أمور أخرى، عن أنّ المحاربين في لبنان أكثر إيرانيّة من الإيرانيّين، وأنّ المحاربين الإسرائيليّين ينظرون إليهم بصفتهم هذه، يشجّعهم على ذلك التجاور الجغرافيّ وأحوال مستعمرات الشمال الإسرائيليّ. وقد بات واضحاً أنّ الوقوع تحت الاحتلال الإسرائيليّ، بعد الموت والتدمير والتهجير ومذلّاته، هو ما اختاروه لأنفسهم ولشعبهم محاربو لبنان، وكان في وسعهم أن يتجنّبوه.
هكذا لم يكن من الصدف أن ينتشر تعبيرا «الانتحار» و«الانتحار الجماعيّ»، كما لو أنّ لبنان «معبد الشعب» – تلك الحركة الدينيّة التي قادها المهووس جيم جونز، أواخر 1978، إلى «انتحارها الثوريّ» في جونز تاون بجمهوريّة غيانا. فما بين اختيار البعض وإجبار البعض الآخر، تناول ثوريّو «المعبد» مشروباً منكّهاً ممزوجاً بالسيانيد والمهدّئات وغادروا هذه الدنيا «المدنّسة». لقد فاق عدد الضحايا يومذاك الـ900 شخص، أكثر من 300 منهم كانوا أطفالاً.
لكنّ المشكلة الأخرى، وهي أكبر وإن كانت أقلّ مباشرةً، فتتعلّق بضعف الدول الضعيفة وبأسباب هذا الضعف. فإذا صحّ، كما قال هيرست وسواه، أنّ معطى تكوينيّاً وبُنيويّاً كالطائفيّة هو ما يحكم عليها بالضعف، فما العمل حين تكون الطائفيّة، أو ما يعادلها، المُقوّم الأوّل الذي نهض عليه هذا البلد. وما العمل تالياً إذا كانت هذه الطائفيّة عماد الشكل الخاصّ من الديمقراطيّة اللبنانيّة، فيما تقول التجارب الكثيرة في المنطقة إنّ التخلّص منها طلباً للقوّة إنّما يمهّد للاستبداد أكثر كثيراً ممّا يمهّد للقوّة. ثمّ ما هي طبيعة هذه القوّة التي يُفترض نشدانها؟
في المقابل، وتبعاً لمدى تمكّن التكوين الطائفيّ، فإنّ الرهان على تغيير وإصلاح يحدّثان المجتمع سلماً سوف يبقى وهماً كما كان دائماً في السابق.
وسط هذه الأدغال كيف يمكن للسياسة ممثّلة بالدولة أن تعمل؟ فغنيّةٌ بالدلالات حقيقة أنّ كلّ محاولة للخروج من الحرب، أو لضمان عدم تكرارها، تقود إلى التهديد بحرب أهليّة وبانشقاق يشرخ الجيش الوطنيّ؟
واللبنانيّون اليوم يحملون عجزهم عن مساءلة أنفسهم وتكويناتهم إلى محطّة جديدة أخطر من كلّ محطّة سابقة. فـ«حزب الله» نجح فعلاً في استدعاء التوحّش الإسرائيليّ في زمن انعدم معه توازن القوى كلّيّاً، ولم يعد سرّاً أنّ الدولة اللبنانيّة لم تعد تجد أذناً تصغي إليها في العالم، فيما الإسرائيليّون يوالون الضغط والاعتصار. أمّا عروض كالعودة إلى هدنة 1949 أو إلى اتّفاقيّة 17 أيّار 1983 فلم تعد مقبولة بتاتاً. وإذا كانت واشنطن عامذاك، في عهد ريغان، قد تبنّت الموقف اللبنانيّ ودافعت عنه، في مواجهة المطالب الإسرائيليّة، فإنّها اليوم ليست في هذا الوارد. وهذا بالإضافة إلى أنّ الأخيرة نفسها تخوض حرباً في إيران، فيما اهتمامها بحربها وبما يحصل في الخليج، ومعهما التداعيات الاقتصاديّة الضخمة ذات البُعد العالميّ، لا تترك للبنان شيئاً ممّا درج اللبنانيّون على التعويل عليه.