الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب

الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب

الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب

 السعودية اليوم -

الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب

معتز بالله عبد الفتاح

تاريخ التطور فى العالم هو فى معظمه تاريخ «صراع وتنافس» بين قوى سياسية واجتماعية مختلفة. مثلاً شهدت أوروبا حرباً دينية - سياسية لمدة ثلاثين عاماً فى القرن السابع عشر. وما كادت أن تنتهى حتى دخلت حرباً أخرى بين الملكية والدستورية. وانتصرت فيها الدستورية دون أن تقضى على الملكيات فى كثير من دول أوروبا الغربية التى ظلت ملكيات دستورية (مثل إنجلترا وإسبانيا) أو بالقضاء على الملكيات فى دول أخرى (مثل فرنسا وإيطاليا).

وفى نفس الأثناء دخلت أوروبا حرباً أخرى بين الليبرالية وعدواتها، سواء الشيوعية أو الفاشية أو النازية. وانتصرت الليبرالية لكنها فى كل معركة كانت تخرج وعليها أن تستوعب الدروس وتتجنب الأخطاء. وقدرة المفكرين الليبراليين على استيعاب تناقضاتهم الداخلية أعظم كثيراً من قدرة المفكرين المنافسين لهم، كما أن قدرة القيادات السياسية من الليبراليين على تبنى الأفكار الجديدة أعلى كثيراً من قدرة غيرهم، لذا استمرت الليبرالية وانهار غيرها.

إذن العالم دائماً ما يشهد هذا النوع من الصراع الفكرى والسياسى، وأحياناً الدموى، حول كيفية إدارة شئون المجتمع فى علاقته بالأفراد وبالدولة وبالدين وبالاقتصاد والثقافة.

الدارس لهذه النوعية من الصراعات يصل إلى عدة استنتاجات لها دلالة فى منطقتنا العربية:

أولاً، الانتصار فى هذه الصراعات قد يأتى فى شكل الضربة القاضية إن تبنت الأطراف المختلفة منطق «إما أنا أو أنت»، فينتصر الأذكى والأقوى، مثلما انتصرت الليبرالية على الشيوعية والنازية والفاشية. ولكن يمكن أن تأخذ هذه الصراعات شكل «الحلول الوسط العظمى» التى يتم فيها العمل على البحث عن نقاط مشتركة يستفيد منها كل طرف، فمعظم دول أوروبا الغربية لم تنتصر للملكية ضد الدستورية أو العكس، ولكن ما حدث أنهم جمعوا بينهما، فالملوك الآن فى أوروبا الغربية لا يحكمون مباشرة، وإنما يحكمون من قبَل الأحزاب الفائزة فى البرلمان. والدور السياسى للملك أو الملكة عادة يكون أن «يستشار ويشجع ويحذر». نفس الكلام فى الاقتصاد، هزمت الليبرالية الشيوعية فى مواقع كثيرة، ولكنها فى أماكن أخرى، الدول الاسكندنافية مثالاً، استوعبت فكرة «الرأسمالية الاجتماعية» التى تتبنى فكرة «توماس جرين» عن ليبرالية تتبنى سياسات رأسمالية فى الإنتاج والاستثمار وإدارة الموارد لكنها تتبنى سياسات اجتماعية فى الخدمات المجانية والضرائب والدعم.

ثانياً، قضية «الدين» قضية شديدة التعقيد لأنها تضرب فى ثلاث من أهم أزمات بناء الدولة الحديثة: الهوية، الشرعية، المشاركة. النشطاء الدينيون يلعبون دوراً مهماً فى إقناع الناس بمدى أهمية ربط دينهم بهذه القضايا الثلاث. وتكون عادة المعضلة هى أن علاقة الدين بالدولة والمجتمع والدستور والاقتصاد لا تُحسم بقرار واحد يتفق عليه الجميع وإنما تأخذ دورات تاريخية طويلة مليئة بالجدل والدم. لو عدنا لتاريخ أوروبا لوجدنا أن الحروب الدينية فى أوروبا فى القرن السابع عشر التى مات فيها الملايين بمن فيهم ربع سكان الإمبراطورية الألمانية ما كانت إلا نتاجاً لفشل محاولات سابقة لحسم علاقة الدين بالدولة بما فى ذلك إعطاء المحليات الألمانية الحق فى تقرير ديانتها فى 1555م، وكذلك فى 1590م وما بعدها من حروب دينية فى فرنسا بين البروتستانت والكاثوليك، ثم الحرب بين هولندا البروتستانتية وإسبانيا الكاثوليكية التى انتهت باستقلال هولندا عن إسبانيا. كل هذه التطورات كانت المقدمات التى أفضت إلى الحل الأوروبى القائم على العلمانية بصيغها الثلاث: الشيوعية (البائدة) والقارية (داخل أوروبا) أو الليبرالية (إنجلترا وأمريكا).

الحل «العلمانى» جاء بعد فشل الحل «الشمولى» القائم على أن الدولة لن تستقر إلا إذا ساد فيها دين واحد وهو دين الدولة الرسمى. جاءت صراعات ثلاثة قرون بين البروتستانت على تنويعاتهم والكاثوليك على تنويعاتهم لتنتهى بفكرة أساسية: «الدين لله والوطن للجميع». أى الدين بينك وبين الله خالقك، والوطن لنا جميعاً أياً ما كانت علاقتنا بخالقنا.

ثالثاً، الانتصارات العابرة لا تحدد النتيجة النهائية للصراع، والمراجعة النقدية داخل كل مذهب أو فريق تلعب دوراً مهماً فى حسم نتيجة الصراع. من ينظر للفترات الأولى فى نجاحات هتلر كان سيستنتج أن النازية ستحكم العالم، ومن انبهر بالآلة السوفيتية الضخمة فى عهد ستالين، لا سيما فى عملية التصنيع غير المسبوقة فى التاريخ، لظن أن الشيوعية ستنتصر فى النهاية. والحقيقة هناك من قال ذلك من المراقبين لا سيما فى فترة الكساد العظيم فى الثلاثينات والأربعينات، حين بدت الرأسمالية فى أوهن حالاتها. ولكن جاء للرأسمالية المفكر الاقتصادى المهم مينارد كينز ليعطى للدولة دوراً مهماً فى التدخل بالإنفاق من أجل إنقاذ الرأسمالية، وتعلمت الدول الرأسمالية الدرس تباعاً وأنقذت نفسها من انهيار تام اقتصادياً وسياسياً.

وبالتالى، لا يظنن أحد أن الإسلام السياسى هُزم بالضربة القاضية فى مجتمعات الشرق، هو أخذ ضربة عنيفة أفقدته توازنه لكنه سيعود لأن الفراغ الذى تركه لم يملأه أحد حتى الآن. والأفكار الكبرى مثلها مثل المواد الفيزيائية: «لا تفنى، ولا تُستحدث من العدم، ولكنها تتحول من صورة إلى أخرى». القضاء على الفكرة تماماً مستحيل، ولكن يمكن إثبات خطئها بتبنى ما هو أصلح منها.

رابعاً، الدين ظاهرة ديناميكية (متشعبة، متطورة، متحولة) ذلك أنها لا تظل مكانها وإنما هى تمتد لتتفاعل مع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ثم ينتج عن الدين الأصلى العديد من المذاهب والفرق والفلسفات، وداخل المذهب الواحد تظهر هذه الديناميكية مرة أخرى. والكلام هنا لا ينصرف إلى الإسلام فقط بما فيه من عشرات المذاهب الفقهية والفكرية والسياسية، لكن كذلك فى المسيحية. مثلاً ظهرت البروتستانتية مع مارتن لوثر لكنها أخذت مذهب «الزيونجاليانزم» فى سويسرا، و«الأنابابتيسم» فى ألمانيا، و«الكالفانية» فى فرنسا، و«الإنجليكانية» فى إنجلترا. وتحول الكالفانيون والبروتستانت إلى أعداء فى كثير من المجتمعات بأكثر من عداء الطرفين للكاثولكية التى خرجا من أجل مناهضتها أصلاً.

بل هناك ظاهرة أخرى، وهى أن من يتبنى خطاباً دينياً سياسياً معتدلاً فى البداية يمكن أن يقع فى خانة الفاشية الدينية دون أن يقصد. والمثال هذه المرة من أحد أهم الأسماء فى عالم البروتستانتية: جون كالفن. وهو الرجل الذى حكم جمهورية جينيفا ليجعل من نفسه ومعاونيه «داعش» فى قلب أوروبا. الكالفانيون كانوا يمتحنون الناس فى عقائدهم، ويُقتل ويُصلب كل من يخالفهم فى العقيدة أو حتى طريقتهم فى رؤية العالم.

خامساً، فى منطقتنا العربية، الاستعمار ترك مجتمعات، وأحياناً تجمعات بشرية، بلا دول تامة الصنع، فحدث الصراع بين الإسلاميين والوطنيين والعروبيين على من يرث الاستعمار فى حكم الدول العربية. انتصر غير الإسلاميين فى كل الدول العربية تباعاً ولكن كانت معظم التطورات الكبرى فى صالح الإسلاماسيين لا سيما بعد هزيمة 1967 ثم خروج مصر من المعادلة العربية مؤقتاً بعد الصلح مع إسرائيل ثم مع انتصار الثورة «الإسلاماسية» فى إيران، ثم شبيهتها فى السودان، ووصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى تركيا.

العرب الآن يدخلون حرباً طويلة المدى بين قوى تدافع عن التسلطية بدعوى الاستقرار وأخرى تطالب بالديمقراطية بدعوى الحريات، وبين قوى القبلية والمذهبية وبين قوى الدولة الوطنية. وهى حرب طويلة لم نتعلم فيها أى شىء من خبرات غيرنا.

عرفنا الآن أن الجيل الحالى من قيادات الإسلام السياسى أضعف من أن ينهضوا بأحوال أى بلد عربى، ولكن ضعفهم هذا لا يعنى أن منطقتنا العربية وصلت إلى وضع توازنى فى علاقة الدين بالدولة لأن الكثير من النخب العربية الحاكمة ليست على مستوى التحدى، وما أراه يحدث فى منطقتنا خلال هذه الفترة هو أننا مجتمعات تئن من غلبة الجهل والتخلف والتعصب عليها وكأنها تكرر المشهد الأوروبى من 500 سنة دون أن تسعى لأن تتعلم. تعلم الساسة والمفكرون فى شرقى آسيا، فنجحوا، تعلم الساسة والمفكرون فى الكثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء، فنجحوا، تعلم الساسة والمفكرون فى أمريكا اللاتينية، فنجحوا. أما نحن، فبعيدون عن التعلم لأننا لا نحب العلم ولا نحترمه ولا نعرف له أهمية. وكما قالت أم محمود بتاعة الخضار: «محاولة استخدام العلم لعلاج مشاكل مجتمع لا يعترف بالعلم هى محاولة غير علمية فى حد ذاتها».

arabstoday

GMT 20:50 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

القرن الأوراسي وإعادة تشكيل العالم

GMT 20:47 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إيران على مفترق طرق

GMT 20:44 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

منطق الحل

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب الدين والصراع السياسي بين أوروبا والعرب



GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 06:02 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 18:45 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 08:39 2016 السبت ,19 آذار/ مارس

البحرين يقصي البسيتين من كأس ملك البحرين

GMT 03:42 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

اتصال هاتفي يجمع جوارديولا وبن ناصر

GMT 11:36 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

شفاء 204 حالة من فيروس كورونا في الكويت

GMT 01:00 2013 الجمعة ,30 آب / أغسطس

سيرة دوناتيلا فيرساتشي ستعرض في عمل فني

GMT 16:10 2015 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

اصنعي بنفسك حقيبة صغيرة مزينة بالكريستال

GMT 04:49 2016 الإثنين ,13 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تستخدم لقطات فيديو ضد ترامب

GMT 15:20 2019 السبت ,05 تشرين الأول / أكتوبر

" وصايا" للكاتب عادل عصمت الأكثر مبيعًا بالكتب خان

GMT 13:34 2018 الثلاثاء ,30 كانون الثاني / يناير

Secret wooden house لمحبي الغموض والتجارب الفريدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon