بقلم - أسامة غريب
لا أحد يقلل من حجم وفعالية التحشيدات العسكرية الأمريكية المتواصلة لترهيب إيران وحملها على الانصياع لكل ما يحلم به نتنياهو. ومع ذلك فإن الأخبار المتداولة حول هذا التحشيد يأتى أكثرها من إسرائيل مخلوطًا بالأحلام والأمنيات. منذ أسبوع والأخبار يتم تدويرها بشكل يثير الصداع حول وصول عدد من الطائرات يصل إلى خمسين من طراز إف ٣٥ وإف ٢٢ إلى الشرق الأوسط. أولاً لا توجد دولة ولا مدينة اسمها الشرق الأوسط، وهذه تسمية تطلق على منطقة تمتد من باكستان إلى المغرب، ولو كان الخبر دقيقًا لذكر لنا اسم المدينة وكذلك اسم القاعدة التى هبطت فيها الطائرات. ثانيًا من المعروف أن أكثر بكثير من هذا العدد من الطائرات موجود فى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة بالمنطقة، فماذا يضيف مثل هذا الخبر؟.
الحقيقة أنه عقب تواتر الأخبار التى تحمل بعض التفاؤل بشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، جن جنون الميديا الإسرائيلية وأخذت تطلق أخباراً عن الهوة الكبيرة بين الطرفين فى مباحثات جنيف، وأخذت تركز على ضرورة تقليص البرنامج الصاروخى واعتبار ذلك مطلبًا عالميًا تسعى إليه كل دول العالم وليس إسرائيل فقط!. ومن أجل تبيان التدليس الإعلامى يكفى أن نوضح أن القناة ١٢ العبرية هى التى أطلقت الخبر حول الطائرات التى يتوالى وصولها إلى المنطقة كدلالة على أن الضربة أصبحت وشيكة. بعد ذلك يتلقف الخبر باراك رافيد الصحفى الصهيونى الذى يكتب لموقع والا الإسرائيلى وفى الوقت نفسه يقوم بتغطية أخبار المنطقة لموقع أكسيوس. عقب نشر الخبر المفبرك لدى أكسيوس تنشط الميديا العالمية فى إعادة النشر باعتباره مأخوذ من منصة مقربة لصناع القرار فى واشنطن ولديها بالضرورة الخبر اليقين.
ويطوف الخبر الذى اخترعه مساعدو نتنياهو بين وسائل التواصل الاجتماعى وتتم قراءته آلاف المرات حتى يؤدى النشر الكثيف إلى رسوخ المعلومة فى الأذهان. يساعد أيضًا على الانتشار أن ترامب المولع بالفرقعة لا يتوانى بين يوم وآخر عن إطلاق تصريح أهوج يهدد فيه الإيرانيين بالويل والثبور إذا لم يمتثلوا لمطالبه. الغريب أن الهوة بين الموقف الأمريكى الحقيقى والموقف الإيرانى ليست كبيرة، لكن الشرخ الواسع تملؤه المطالب الإسرائيلية، فالأمريكان يشغلهم البرنامج النووى والخشية من تخصيب اليورانيوم بدرجة تسمح بالاستخدامات العسكرية، أما موضوع الصواريخ والأذرع الإيرانية فى المنطقة فلا يمثل ضرورة ملحة فى التخطيط الأمريكى الهادف بالأساس لحصار الصين وضرب مشروع الحزام والطريق الذى يتخذ من إيران ركيزة أساسية.
ويضاعف من القلق الأمريكى فى هذا الشأن وصول القطار الصينى إلى ميناء برشين الإيرانى واتخاذ هذا الميناء محطة رئيسية على الطريق لأوروبا وأفريقيا. تريد الولايات المتحدة سحب طهران بعيداً عن بكين ومشروعاتها، وهذا الأمر يمثل ورقة فى يد المفاوض الإيرانى أو عظْمة يلوح بها لويتكوف وكوشنر مندوبى ترامب فى المفاوضات. هل يكتفى الرئيس الأمريكى بما تحتاجه بلاده ويثبت أنه أمريكى فقط أم تهزمه صهيونيته فيخضع لتل أبيب ورجالها الذين يملأون البيت الأبيض؟