«ذكور مخيم عمان الثانية»
اتحاد جدة يخطط لخطف محمد صلاح بعرض تاريخي يجعله الأعلى أجرا في العالم مدرب البرتغال يدافع عن كريستيانو رونالدو بعد التعادل أمام الكونغو في كأس العالم 2026 هاري كين يقود منتخب إنجلترا لاكتساح كرواتيا برباعية في كأس العالم لكرة القدم 2026 الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يوجه تحذيراً مباشراً لترامب لا تتدخل في الانتخابات الرئاسية البرازيلية إحباط تهريب مخدرات على الحدود السورية اللبنانية وإصابة مهربين خلال اشتباكات مسلحة إسماعيل بقائي يؤكد أن طهران ترفض إخراج اليورانيوم المخصب وتؤكد حقها النووي رغم التفاهم مع واشنطن دونالد ترامب يعلن بقاء القوات الأميركية قرب إيران ومراقبة صارمة لتنفيذ الاتفاق دونالد ترامب يمنح إيران مهلة 60 يوما وينذر بعودة العمليات العسكرية نعيم قاسم يرفض مقترح المناطق التجريبية ويؤكد أن الأمن المتبادل سقف أي تفاوض البرتغال تكتفي بالتعادل أمام الكونغو الديمقراطية في افتتاح مشوارها بالمونديال
أخر الأخبار

«ذكور مخيم عمان الثانية»

«ذكور مخيم عمان الثانية»

 السعودية اليوم -

«ذكور مخيم عمان الثانية»

بقلم :عريب الرنتاوي

هو اسم المدرسة التي قضيت فيها سنوات «الإعدادية» الثلاث في مخيم الوحدات، بعضهم كان يضيف كلمة «للبنين» في نهاية الاسم، غير مكتف بكلمة «ذكور» في بدايته، في تأكيد مفرط على «ذكوريتنا» ... مدارس البنات غير البعيدة، كانت تسمى «إناث مخيم عمان»، ولكثرة عدد المدارس، ونظام الدوامين (صباحي – مسائي) فقد كانت المدارس تتميز بأرقامها، وأحسب أن مدرستي كانت «الثانية»، رغم أنني غير متأكد تماماً من حكاية «الترقيم» هذه

لم نعتد في تلك الحقبة، على استقبال طلبة وافدين، المدارس مخصصة في الأصل، لأبناء اللاجئين وأحفادهم، ومخيم الوحدات، يتوفر على أعداد غفيرة ممن هم في سن الدارسة، وتعليم الأبناء، كان مسألة «حياة أو موت» بالنسبة للأسرة اللاجئة، التي نظرت بالفطرة إلى التعليم، بوصفه «أرض الفلسطيني إلى أن تتحرر أرضه»، وسلاحه الوحيد الذي به سيشق عنان السماء، والجناحين الذين سيحلق بهما لاحقاً على ارتفاعات شاهقة ... هكذا كانت النظرة للتعليم في تلك الأزمنة التي تبدو غابرة.

إلى أن حط بيننا ذات يوم، طالبان من «قماشة» مختلفة تماماً ... فهما «أبيضان» ونحن لفحتنا الشمس إلى الحد الذي لم نعد نتعرف فيه على لون بشرتنا الأصلية، وتركت بقعاً ودرجات لونية مختلفة على وجوهنا، كانت تبدو مثيرة للضحك والسخرية ... الأول، كان «حاتم سعد الدين حسن تقي الدين اسطنبولي»، وأجدني أحفظ اسمه خمسة مقاطع حتى اليوم، ومنذ اليوم الأول لجلوسه على مقعده في الصف المكتظ بالتلاميذ قبل قرابة الخمسين عاماً.

لم تكن بشرته البيضاء، هي علامة الاختلاف الوحيدة التي ميّزت حاتم عنا، فقميصه الأبيض كان بدوره علامة فارقة أخرى، وهو لون غير مألوف في تلك الأزمة، فهو يتسخ سريعاً، ولا قدرة لأمهاتنا على الغسيل يومياً، وهيهات أن يتمكن الواحد منا، من اقتناء أكثر من قميصين أو ثلاثة قمصان ... استفز الأبيض النظيف طلبة في الصف، فأوعز أحد «قبضاياته» إلى من يهمه الأمر باتخاذ اللازم، ليعود حاتم إلى منزل ذويه، الذي سنعرف لاحقاً أنه في «شارع خرفان»، بقميص مجلل بالأحبار من كل لون.

لم يطل المقام بزميلنا الجديد في «ذكور مخيم عمان الثانية»، استشهد أخوه في غارة إسرائيلية على أحد معسكرات المقاومة الفلسطينية في جبال السلط، فتغيرت نظرتنا لحاتم، وبات صديقاً للجميع، قبل أن ننتدب وفداً «رفيعاً» من الصف، كنت على رأسه، لزيارة منزل العزاء في شارع خرفان، لتقديم واجب التعازي بالفقيد. قصص حاتم وشروحاته عن أخيه، كانت ملهمة لكثيرين منا، حتى أن بعضنا تمنى لو يُستشهد أحدٌ من إخوانه ليحظى بالشرف ذاته، ولا أذكر أن تمنى أحدنا أن يُستَشهد بنفسه. أصدقكم القول، أن شارع خرفان، بدا لنا في تلك الفترة، جنة الله على الأرض، سكانه تتوزعهم بنايات متعددة الطبقات، وبقالات ليست كالتي في حراتنا، قبل أن يتحول إلى مأوى للعمالة الأسيوية الوافدة، وغالباً غير الشرعية.

غادر حاتم المدرسة، قبل أن تغادر عائلته الأردن إلى سوريا، لتلتقي طرقنا بعد سنوات طوال، كطلبة شباب يساريين، انخرطوا في غمار الحركة الشيوعية العربية، قبل أن ينتهي بهم المطاف في اليسار الفلسطيني، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على نحو خاص ... صديقي القديم حاتم، ما زال ناشطاً، وهو يواظب على الكتابة في صحيفة «نداء الوطن» التي يصدرها حزب الوحدة الشعبية الأردني.

الوافد الثاني، ذو البشرة البيضاء أيضاً، جواد أنور عرفات البشيتي، كان قد أبعد للتو من القدس، بعد أن نفذ في عمر «الطفولة» وصديقه رياض جابر،عملية فدائية ضد مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في فندق «الامبسادور» في المدينة، جواد أصيب بجراح، فيما صديقه رياض، الذي يكبره سناً بعامين، استشهد في العملية ... قبل أن يأتينا إلى المدرسة، كان جواد قد زار مصر، بدعوة من رئيسها جمال عبد الناصر، وهناك تلقى استقبالاً باهراً ... وتوفرت لديه حصيلة مدهشة من القصص التي لم يتوقف عن روايتها لنا، كانت بالنسبة لنا، ضرباً من الخيال الملهم ... جواد، كان قارئاً نهماً، وقد أثار زوبعة من النقاشات الفلسفية المبكرة؛ ما أثار شغف عدد منا. 

سنُكمل، جواد وأنا، المرحلة الإعدادية في المدرسة ذاته، وعلى المقعد ذاته، قبل أن نذهب في اختصاصين مختلفين في المرحلة الثانوية، علمي وأدبي، لكن ستستمر علاقاتنا لسنوات وعقود لاحقة، وتتنقل بين بيروت ودمشق وقبرص، وبعد العودة إلى عمان، سيكتب في «العرب اليوم» منذ صدورها إلى أن أغلقت، وتأخذنا الأيام ويومياتها المزدحمة بعد ذلك، في سبل متباعدة.

كان الأستاذ، طيب الذكر، فتحي الحلو، مدرساً للرياضيات في «ذكور مخيم عمان الثانية»، لاحظ اهتماماتنا غير المألوف في هذه المرحلة العمرية المبكرة، فانخرط معنا بنقاشات وحوارات فلسفية، قبل أن ندرك أن الرجل يشغل موقعاً قيادياً في الحزب الشيوعي الأردني، لم نكن في حينها نسمع عن «المنهج الخفي» أو «المنهاج الموازي»، رغم أن معظم المدرسين، كانوا ينتمون إلى تيارات سياسية وفكرية، وأغلبهم انخرط في فصائل المقاومة، وكانت المدرسة بمثابة معسكر إعداد وتحضير للنشء، من دون أن يكون ذلك على حساب «المنهاج» والتعليم، فقد كان هؤلاء يؤمنون أيضاً بأن «سلاح اللاجئ شهادته».... وأذكر أننا خرجنا بتحريض من مدرسينا، ونحن بالكاد بلغنا العاشرة من أعمارنا، لقطع الطريق على موكب الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، الذي كان سيمر على مقربة من مدارسنا ... وقفنا بالشارع نهتف «أبو رقيبة يا منجوس بعت الوطن بالفلوس»، قبل أن تفرقنا الشرطة ونلوذ إلى أزقة المخيم وحاراته الضيقة... وأذكر أيضاً، أننا حفظنا عن ظهر، وفي سن مبكرة، نشيد الثورة الجزائرية: «قسماً بالنازلات الماحقات»، وقد كان مدرسون كثر، يحرصون على أن نصدح به، قبل دخول الغرف الصفية.

انخرطنا في صفوف الحزب الشيوعي، قبل أن نعرف أن فتحي الحلو ينتمي لـ «الكادر اللينيني» المنشق عن الحزب الأم، وقد احتاجت عضويتنا لقرار استثنائي بفعل صغر سننا، إذ بالكاد كنا أكملنا الخمسة عشر عاماً ... ومع «غوصنا» في قراءة الأدبيات الحزبية، تبين لنا أن هناك حزباً آخر، فبدأنا مسيرة البحث والتنقيب في قضايا الخلاف بين الحزبين، قبل أن تتوسع معارفنا إثر «التنبيش» في قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري، وتدخل «الرفيق» يفغيني بريماكوف لحسم الجدل فكرياً ونظرياً، فنقرر الاستقالة من «الكادر» والانخراط في صفوف «الزغابة»، و»الزغابة» من «زغب»، اسم حركي أطلقته جماعة «الكادر» على الحزب الأم، باعتبار أن الزغب سيتساقط تلقائياً، عندما يشتد عضد المولود الجديد، الكادر، ويقف على قدميه.

لم يشفع لنا، جواد وأنا، أننا كنا رفاق فتحي الحلو في الحزب، وأنه كان مسؤولاً مباشراً عنا، إلى أن اعتقل بعد أحداث أيلول 1970، وترك الحزب مكرهاً على استنكاره والبراءة منه، فقد كان يعاملنا بقسوة، ولا يغفر لنا الأخطاء التي يغفرها عادة لزملائنا، من نوع التأخر دقيقتين بعد «الفرصة»... كان يخرج من جيبه «حصاة» صغيرة، يضعها تحت»أرنبة الأذن»، ويبدأ بفركها بقوة، إلى أن تبدأ حبات الدم بالتساقط ... فتحي الحلو كان بداية طريق العمل السياسي/ الحزبي المنظم، أما الضرب والتعنيف في المدرسة، فقد كانا بديهيين، لا يجادل فيهما أحد، ولطالما انحاز الأهل إلى جانب المدرس، بل وطالبوه بمزيد من الشدّة على أبنائهم الصغار، حتى يصنع منهم رجالاً كبارا، قادرين على تحمل أعباء المستقبل المجهول الذي ينتظرهم، وإلى اللقاء يوم الجمعة القادمة، في صفحة جديدة من الذكريات.

المصدر : جريدة الدستور

 

arabstoday

GMT 22:18 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

حظر بريطاني تأخر

GMT 22:16 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

صورة النظام الإيراني تعادل تخصيب اليورانيوم

GMT 20:50 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

القرن الأوراسي وإعادة تشكيل العالم

GMT 20:47 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إيران على مفترق طرق

GMT 20:44 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

منطق الحل

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ذكور مخيم عمان الثانية» «ذكور مخيم عمان الثانية»



GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 06:02 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 18:45 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 08:39 2016 السبت ,19 آذار/ مارس

البحرين يقصي البسيتين من كأس ملك البحرين

GMT 03:42 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

اتصال هاتفي يجمع جوارديولا وبن ناصر

GMT 11:36 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

شفاء 204 حالة من فيروس كورونا في الكويت

GMT 01:00 2013 الجمعة ,30 آب / أغسطس

سيرة دوناتيلا فيرساتشي ستعرض في عمل فني

GMT 16:10 2015 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

اصنعي بنفسك حقيبة صغيرة مزينة بالكريستال

GMT 04:49 2016 الإثنين ,13 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تستخدم لقطات فيديو ضد ترامب

GMT 15:20 2019 السبت ,05 تشرين الأول / أكتوبر

" وصايا" للكاتب عادل عصمت الأكثر مبيعًا بالكتب خان

GMT 13:34 2018 الثلاثاء ,30 كانون الثاني / يناير

Secret wooden house لمحبي الغموض والتجارب الفريدة

GMT 10:06 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

"حماس" تستبعد قيام إسرائيل باغتيال مشعل في غزة

GMT 02:48 2015 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

شركة "هوندا" تعتزم طرح سيارتها "HR-V" في الأسواق

GMT 23:25 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

أغرب منتجعات التزلج على الثلج في العالم

GMT 12:52 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

"أسماء فقط" رواية جديدة لـ خلود البدري

GMT 10:34 2020 الأحد ,15 آذار/ مارس

(فيروس كورونا)

GMT 07:41 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسما سليمان تنضم إلى فريق عمل فيلم "مش أنا" مع تامر حسني

GMT 00:26 2019 الجمعة ,13 كانون الأول / ديسمبر

وفاة المخرج شريف السقا في حادث أليم

GMT 14:55 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ديربي البيضاء يرتدي حلة عربية ويعد بالفرجة والتشويق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon