لقد رحل «سيد ياسين»

لقد رحل «سيد ياسين»

لقد رحل «سيد ياسين»

 السعودية اليوم -

لقد رحل «سيد ياسين»

بقلم : مصطفى الفقي

كان علامة بارزة على جيل بأكمله، فلقد استقطبت شخصيته أبناء الجيل كله، لأنه كان- رغم تخصصه فى «علم الاجتماع»- واحدًا من أبرز شيوخ «علم السياسة»، كما ضرب بسهم فى معارف متعددة، فكان مثقفًا رفيع الشأن له فى «العلوم السلوكية» كما له فى كافة «الدراسات الإنسانية»، وكان مفكرًا يعتز بذاته ووطنه ويتصرف بشموخ وكبرياء فى كافة مواقف حياته، وقد ربطتنى به صلات وثيقة وعلاقات طويلة، فعندما عدت من «لندن» حاملًا درجة الدكتوراه فى سبتمبر 1977 فوجئت به يتصل بى على غير معرفة مباشرة، ويقول لى إنه قد علم بحصولى على هذه الدرجة الرفيعة، وإن موضوع الدراسة يستهويه كعالم يقف على الحدود بين علمى «السياسة والاجتماع»، لذلك فإنه يدعونى- باعتباره مديرًا لمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام- إلى حوار موسع مع أعضاء المركز وضيوفه حول موضوع الرسالة، الذى يدور حول «الأقباط فى السياسة المصرية»، متخذًا «مكرم عبيد باشا» نموذجًا، فهو المجاهد الكبير وسكرتير عام «حزب الوفد» منذ رحيل «سعد زغلول» وخلافة «مصطفى النحاس» له وصولًا إلى الصدام التاريخى المعروف بين الصديقين «النحاس» و«عبيد»، حتى إن الأخير أصدر كتابه الأسود بمباركة من «القصر» وإغراء من الداهية «أحمد حسنين باشا»، رئيس الديوان، لشق عصا الحزب والثأر لحادث 4 فبراير عام 1942، ولقد تلقيت دعوة الراحل العظيم «سيد ياسين» بامتنان، وتأملت كيف يسعى ذلك الأستاذ العظيم، ومعه رفيقه د. «على الدين هلال»، وبالقرب منهما د. «سعد الدين إبراهيم»، كيف يسعون إلى إبراز طاقات أبناء جيلهم وإعطائهم الفرص ودفعهم دفعًا إلى الأمام فى إيمان متجدد بالتواصل بين الأجيال، وقد حضرت إلى مقر المركز فى صحيفة «الأهرام» فى الموعد المحدد ومعى أطروحة الدكتوراه بلغتها الإنجليزية، وقدمت عرضًا وافيًا لمحتوياتها والرسم البيانى للعلاقة الطردية بين تمثيل الأقباط فى «البرلمان» المصرى وبين درجة فوز «حزب الوفد» فى الانتخابات المختلفة، واستخلصت نتائج الدراسة، واستمعت إلى تعليق الأستاذ «سيد ياسين»، الذى أغدق علىَّ يومها تقديرًا أكثر مما أستحق، كذلك استفدت من تعليقات زملائى من الخبراء والباحثين فى المركز وكانت بداية تعاون بينى وبينهم، ومنذ ذلك المساء وأنا أضع «سيد ياسين» فى مقام المعلم، وهو الحقوقى وأستاذ «علم الاجتماع» وفارس «الدراسات السياسية» وصاحب الكتابات الرصينة والمبادرات البَنَّاءة، فقد كان بحق «ناظر مدرسة البحث العلمى» فى «العلوم الاجتماعية»، وكا

نت له إسهاماته المرموقة فى «المركز القومى للبحوث الاجتماعية»، حيث اتسمت دراساته بالموضوعية والحياد الأكاديمى، مع التواضع أمام مَن هم أقل منه والزهد فى المناصب والتمسك دائمًا بقيم العالِم الذى يحترم مبادئه، وفيًا لأفكاره، صادقًا فى معتقداته، ولقد كان لديه تقدير خاص للحقبة الناصرية، مع إقراره فى ذات الوقت بأخطائها، فكان ذلك الرجل الكبير مؤمنًا بالزعيم دون دروشة، مع إحساس حقيقى بالطبقات الكادحة وفقراء «مصر»، وقد قام بالتدريس فى الجامعات المصرية والأجنبية، كما تولى إدارة «منتدى الفكر العربى»، الذى أنشأه الأمير «الحسن بن طلال» فى «الأردن»، وقد حصد جوائز الدولة المصرية من أصغرها إلى أكبرها، وأعطى اهتمامًا خاصًا لدراسة المجتمع الإسرائيلى، وجعل الدراسات الفلسطينية مركز اهتمام بـ«الأهرام» عبر السنين، ولقد زاملته خلال الخمسة عشر عامًا الماضية فى عضوية «المجلس الأعلى للثقافة»، وراعنى دائمًا شخصيته الموسوعية وقدرته على الحديث فى الموضوعات المختلفة وإيمانه العميق بالثورة التكنولوجية وإحساسه الدائم بأهمية رعاية الشباب وتقديم خلاصة تجربته للأجيال الصاعدة، كما جمع ذلك العالِم المستنير فى أبحاثه الاجتماعية بين الدراسات النظرية والتطبيقات العملية، فكان يؤمن بالأرقام والمسح الميدانى والبحوث «الإمبريقية»، وكان يتصل بى بين حين وآخر يطلب خدمة بسيطة أو توصية عادلة، وكنت دائمًا طوع إشارته، خصوصًا فى سنوات محنته الصحية والظروف الصعبة التى اضطرته إلى العمل حتى آخر أيام عمره! فلم يتقاعس «سيد ياسين» عن مواصلة رسالته، حتى اقترب من سن الخامسة والثمانين، والفكر لا ينضب والعقل لا يتوقف والقلب لا يزال رحبًا حانيًا يتسع للجميع، أما إذا غضب فإنه ينتفض كالأسد الهصور ويزأر فى وجه مَن أمامه، مهما كان منصبه أو سلطته، وكان يتشاور معى أحيانًا وأنا أجلس بجانبه فى التصويت على جوائز الدولة حتى تكون أصواتنا شديدة الموضوعية بعيدة عن الهوى تدفع إلى الصفوف الأولى ببعض المُهمَّشين ممن لا سند لهم إلا الموهبة المكتومة والمكانة المؤجلة!.

إن رحيل «سيد ياسين» يطوى صفحة ناصعة فى تاريخ الفكر المصرى المعاصر، ويغلق فصلًا كاملًا من الأستاذية المتألقة دائمًا، وسوف يظل «سيد ياسين» شمعة مضيئة أكثر منه دمعة حزينة، لأن الرجل أدى واجبه باقتدار وانتصر دائمًا للحق وآمن إيمانًا عميقًا بالوطن ومستقبله وانحاز لشعبه وعاش راهبًا فى محراب علمه خادمًا لأمته.. رحمه الله بقدر ما أعطى من معرفة وأنار من ضوء وغرس من مبادئ وألهم من فكر!.

المصدر : صحيفة المصري اليوم

arabstoday

GMT 15:57 2024 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

أقباط مصر

GMT 08:51 2024 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

اعترافات ومراجعات (36).. أزمتِي مع التكنولوجيا

GMT 06:13 2020 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

فوائد الكورونا

GMT 07:27 2020 الأربعاء ,06 أيار / مايو

طارق حجى.. جدل الثقافة

GMT 05:52 2020 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

هل يتراجع إرث غاندى؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لقد رحل «سيد ياسين» لقد رحل «سيد ياسين»



صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي - السعودية اليوم

GMT 19:29 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز اهتمامات الصحف الفلسطينية الصادرة الاثنين

GMT 18:53 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر سيارة هوندا بايلوت موديل 2018

GMT 02:19 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

جوجل تطلق تحديث جديد لتطبيق Google Photos

GMT 19:53 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الهلال يكشف اسباب صعوبة ديربي جدة

GMT 17:04 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

رياض محرز ينقطع عن ليستر لأجل غير مسمى

GMT 10:41 2014 الإثنين ,17 شباط / فبراير

عطر "هيرا" يغمر شعرك بالحماية والترطيب

GMT 13:56 2014 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

مانولو بلانيك في أسبوع "نيويورك"

GMT 21:31 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

سميحة أيوب تحل ضيفة على مشروع "الملهم"

GMT 13:02 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة سهلة لإعداد بسكويت جوز الهند الهش

GMT 05:03 2014 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

العطس داخل الطائرات يتسبب في انتشار الأمراض المعدية

GMT 09:41 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

مواد بناء بديلة من المخلفات أوائل 2013 في مصر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon