صراع الهويات فى مصر 33

صراع الهويات فى مصر (3-3)

صراع الهويات فى مصر (3-3)

 السعودية اليوم -

صراع الهويات فى مصر 33

عمار علي حسن

وإذا عدنا إلى حالتنا الخاصة التى نقصدها فى هذا المقام، يمكن أن نقول إنه مع تفشى البطالة فى مصر وإصرار الكبار على ممارسة الوصاية على الشباب فى نظام «أبوى» جامد، ينشأ وسط صراع أجيال حاد، وانسداد الأفق السياسى بفعل تسلطية الدولة وبطشها، واستشراء الفساد، وازدياد حجم الغبن الاجتماعى، وشيوع ثقافات تقليدية ودينية نازعة إلى الجمود والتشدد، واستفحال الشعور بالقهر والظلم والهوان حيال العالم الخارجى، يجد الشباب المصرى نفسه مدفوعاً إلى الانزلاق إلى ارتكاب العنف بشتى صوره الرمزية واللفظية والمادية، وهى حالة لا شفاء منها دون انقضاء الأسباب التى تؤدى إليها، ثم جاء الصراع حول الهوية ليزيد الطين بلة.
لكن الأسباب كلها كانت وراء العنف الاجتماعى، أما العنف السياسى فى مصر، فيُعزى إلى صراع الهويات بالأساس، الذى كان مكبوتاً أيام حكم مبارك بفعل القوة الأمنية الباطشة، ثم انفجر بعد رحيله بطريقة غير مسبوقة، فوجدنا مخاوف الأقباط من تقدم الإخوان والسلفيين فى الحياة السياسية، وهتف بعض المسيحيين فى المظاهرات التى نظموها احتجاجاً على هدم وحرق كنائس على يد سلفيين: «بالطول والعرض.. إحنا أصحاب الأرض». أما السلفيون وأتباع الجماعة الإسلامية والجهاديون فقد قلبوا هتاف الثورة «الشعب يريد إسقاط النظام» عقب رحيل مبارك مباشرة إلى: «الشعب يريد تطبيق شرع الله».
وأتذكر فى هذا المقام مجموعة من الملتحين كانوا يجوبون ميدان التحرير فاردين فوق رؤوسهم علماً ضخماً لمصر، وهم يهتفون: «لا شرقية ولا غربية.. مطلبنا هو الحرية»، ولم يكن هذا إلا نوعاً من التحايل والخوف لأن مبارك وقتها كان لا يزال ينازع من أجل الاحتفاظ بالسلطة، وبالتالى فجزء كبير من قدرته على تخويف هؤلاء كانت باقية، ومن هنا تخلى هؤلاء «تكتيكياً» عن «لا شرقية ولا غربية.. إسلامية إسلامية» إلى رفع شعار «الحرية» المتساوق مع مبادئ ومطالب الثورة، ثم انقضّوا عليه وعادوا إلى سيرتهم الأولى، بعد أن زالت أسباب الخوف.
وبلغ الأمر مداه مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذى جرى فى 19 مارس 2011، وكان بداية الافتراق فى الساحة السياسية والقوى الثورية أو تلك التى التحقت بالثورة بعدما تأكدت من نجاحها. فانقسمت مصر إلى «مدنيين» يصفهم الإخوان والسلفيون بأنهم «علمانيون»، ويتركون لمشايخهم مهمة تشويه هذا المصطلح بما ليس فيه، من دون ورع ولا علم ولا حياء، وإلى «إسلاميين» حسبما يصفون هم أنفسهم، وإن كانت تدابيرهم وتصرفاتهم، بل أقوالهم، تتناقض أو تتعارض مع صحيح الإسلام فى مواضع لا حصر لها، ولا داعى لذكرها هنا.
ووسط هذا الضجيج عادت أصوات تتحدث عن الخوف من اختطاف الهوية المصرية، التى ألفوها وتعايشوا معها، وكانوا يعنون بها طبائع المصريين وثقافتهم العميقة وطريقتهم الوسطية أو المعتدلة فى فهم الدين وتطبيقه، والتى جعلت الإمام الشافعى نفسه يفتى ذات يوم فى مصر بغير ما أفتى به فى العراق فى المسألة نفسها. وزادت هذه المخاوف مع اتجاه الإخوان إلى التحالف مع التكفيريين والسلفيين الجهاديين، بعد عقود بدوا فيها وكأنهم قد تماهوا مع مقتضيات الهوية المصرية أو تكيفوا مع طبائع وقيم وموروث المصريين، وهى مسألة كانت تعطيهم ميزة على تيارات العنف والجمود التى اتخذت من الإسلام أيديولوجية لها أو زعمت أنها تحمل لواءه فى الدعوة.
وفور سقوط حكم الإخوان بعد ثورة 30 يونيو اشتد الصراع على السلطة ضراوة، وهو يلبس لبوس الهوية، فالذين وقفوا على منصة رابعة كانوا طيلة الوقت يصدّرون خطاب الهوية رغم أنهم يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن مقصدهم هو الاحتفاظ بالسلطة والاستعداد للقتال من أجل هذا تحت راية «شرعية» فقدوها قبل الثورة بكثير لأسباب عديدة. فخطاب الهوية هنا كان الهدف منه تجميع القوى «الدينية» للوقوف إلى جانب الإخوان فى معركتهم السياسية البحتة. وفى مقابل هذا استدعى معارضو الإخوان خطاب هوية آخر هو الدفاع عن «خصوصية» الأمة المصرية وتاريخها، وهى استدعاءات لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة، ولا أعتقد أنها ستتوقف فى المدى المنظور، ليستمر الكل فى سذاجة مفرطة فى التناحر من أجل تحديد هوية مصر، ولن يفعلوا فى نهاية المطاف سوى مثلما فعل ذلك الذى أخذ وقتاً طويلاً للتفكير، ثم عرّف الماء بالماء.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع الهويات فى مصر 33 صراع الهويات فى مصر 33



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon