دولة القانون تغير الناس

دولة القانون تغير الناس

دولة القانون تغير الناس

 السعودية اليوم -

دولة القانون تغير الناس

بقلم - عمرو الشوبكي

السؤال الذى يُطرح فى مجتمعاتنا عن طبيعة الشعوب الجاهلة غير المؤهلة للديمقراطية وسلوكيات التخلف والبذاءة والانحدار الأخلاقى والمهنى يتجاهل الإطار العشوائى الذى يعيش فيه معظم الناس، وقيام الدولة نفسها بإهدار القانون والدستور، وأى قاعدة تضعها وبمحض إرادتها ودون مشاركة أو ضغوط من أحد، تكون هى نفسها أول من يهدرها.. فكيف نطالب الناس باحترام القانون فى دولة لا تحترم أصلا القانون؟!

يقيناً أن ممارسة السياسة فى كثير من البلاد الديمقراطية التى تعيش فى ظل سطوة القانون (وليس سطوة الأمن والبلطجة) مثل ما جرى مؤخرا فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية وقبلها الأمريكية وغيرها من التجارب الانتخابية فى بلاد تعرف دولة قانون وليس ديمقراطية كاملة، فإن سطوة القانون تمثل حاجزا قويا أمام الانجراف نحو السلطة المطلقة ونحو نمط من الصراع السياسى الذى لا يفيد المجتمع ولا يساعد على تطوره ويفتعل معارك لا علاقة لها بواقع الناس ولا مشاكلهم المعيشة، رغم أنها تستهوى بعضهم، وتتحول القضايا الهامشية والتافهة والبذاءة والتهم الباطلة إلى نمط الحوار السياسى تحت رعاية ومباركة أجهزة الدولة ويصبح القانون فى إجازة بقرار دولة وليس بقرار مجتمع.

ولعل من شاهد المناظرة الأخيرة بين الرئيس الفرنسى المنتخب إيمانويل ماكرون والمرشحة الخاسرة مارين لوبان سيكتشف أن سقف القانون وسطوته مثل عنصر الردع الرئيسى لكلا المرشحين أثناء حملتهما الانتخابية رغم اختلافهما، وليس بالضرورة الأدب والدماثة الشخصية، فحين تساءلت مارين عن حقيقة وجود حساب لماكرون خارج حدود فرنسا اعتبر الأمر وفق القانون «اتهاما باطلا» دفعه إلى تقديم بلاغ للنائب العام ومقاضاتها أمام القضاء الفرنسى.

وعلينا أن نتصور حجم الشتائم والاتهامات الباطلة التى تلقى كل يوم فى مصر على من تبقى من سياسيين ومن رجال أعمال ومن شخصيات عامة إذا انتقدوا وضعاً رأوه خاطئا أو اعتبروا أنفسهم معارضين، وهنا نجد أن أجهزة الدولة تنتقل من دور المحايد والضامن لتطبيق القانون وحراسة العدالة إلى نموذج (يحذو حذوه الكثيرون) فى إهداره.

كما شهدت تجربة الانتخابات الرئاسية الفرنسية حدثين شخصيين ظلا غير معتادين فى فرنسا وفى أى بلد آخر فى العالم: الأولى هى زواج ماكرون من سيدة تكبره بـ24 عاما، ورغم فجاجة منافسته مارين لوبان، المعروفة بقلة أدبها، لم تمس هذا الجانب طوال حملتها الانتخابية وأثناء المناظرة الحادة والعنيفة، باعتباره أمرا يتعلق بحياته الشخصية المصونة، كما أن كل الصحافة الفرنسية الكبرى فى فرنسا لم تتعرض مطلقا لهذا الموضوع، وكذلك وسائل الإعلام المرئية والمسموعة (بعيدا عن مواقع التواصل الاجتماعى) التى يتابعها 80% من الفرنسيين، ونفس الأمر تعلق بماكرون حين لم يعلق على قيام مارين بطرد والدها، مؤسس حزب الجبهة الوطنية، من الحزب بل وحرمانه من دخوله. ورغم قسوة وفجاجة ما فعلت، ولكنه كان نتاج تصويت ديمقراطى داخلى، فلم يعلق عليه أحد.

واللافت أن الصحافة الفرنسية التى هاجمت بشدة مارين لوبان لم تتعرض مطلقا لهذه الزاوية، أى زاوية كيف تطرد أباها من الحزب، لأن الأمر مهما كانت قسوته إنسانيا، إلا أنه تم وفق القانون وقواعد الديمقراطية حتى لو هاجمتها بشدة فى كل آرائها السياسية.

صحيح أن هناك جوانب أخرى تتعلق بسلوك المجتمع وثقافته ودرجة تحضره التى حدثت عبر تراكم صنعته دولة القانون وليس نتيجة طبيعة «جينية» خاصة تقول إن التحضر سمة تخص الأوروبيين لا العرب.

مازلت أذكر فى منتصف تسعينيات القرن الماضى حين كنت طالبا فى باريس وحدث إضراب للمواصلات العامة فى عهد الرئيس شيراك يمكن وصفه بالاستثنائى لأن المترو والباصات توقفت تماما، وليس كما كان معتادا أن يكون الإضراب جزئيا، أى يشمل المترو ولا يشمل الباصات، أو تتوقف عربتان للمترو عن العمل وتعمل واحدة، ولكن هذه المرة توقفت بشكل كامل كل صور الحياة العامة، واضطر أغلب الناس للسير على الأقدام أو ركوب الدراجات، والقلة بحثت عن سيارة أجرة نادرة.

سلوك الناس فى الهجوم على سيارة التاكسى إذا شاهدوها كان صادما بالنسبة لى، وحجم الشجار بينهم من أجل الركوب قبل الآخرين تحول إلى سلوك مصرى بامتياز نراه من أجل السعى وراء مقعد فى باص عام أو فى ميكروباص، وغابت كل المشاهد الراقية التى كانت تحكم الشارع الفرنسى فى التعامل مع العجائز والسيدات، رغم التراكم الحضارى وعمق الثقافة، لأن الواقع الاجتماعى تغير للأسوأ، ولأن القانون الذى ينظم سلوكيات الناس تراجع مع غياب الأساس المادى الذى يقوم عليه فشهدنا هذه السلوكيات.

نظريات نظم الفشل عن الشعوب الجاهلة غير المهيأة للديمقراطية لا تنظر للأمية على أنها تحد يجب مواجهته إنما تعتبرها فرصة للتهرب من مسؤوليتها فى بناء دولة القانون القادرة بمفردها على تغيير سلوك الناس ووضع قواعد وضوابط قانونية للعملية السياسية وللتنافس السياسى.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه المضىء لأمريكا

GMT 04:18 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الاقتراع

GMT 04:17 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

هل قوة الحوثي حقيقية أم وهمية؟

GMT 04:15 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة

GMT 04:14 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

انتخابات الكونغرس الأميركي ومنطقتنا

GMT 04:13 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

بيرنهام... مائة يوم في داونينغ ستريت

GMT 04:12 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

في التربة الغريبة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دولة القانون تغير الناس دولة القانون تغير الناس



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 05:48 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

فشل تجارب أدوية قلب من نوفارتس ونوفو نورديسك يحير الخبراء
 السعودية اليوم - فشل تجارب أدوية قلب من نوفارتس ونوفو نورديسك يحير الخبراء

GMT 14:15 2026 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

إلهام شاهين تطالب بحجب صفحة مرتضى منصور على فيسبوك
 السعودية اليوم - إلهام شاهين تطالب بحجب صفحة مرتضى منصور على فيسبوك

GMT 08:20 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

الدكتور زاهي حواس يؤكد أن الاستعمار سرق آثار مصر بالقوة

GMT 07:44 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأعلى مبيعًا في قائمة نيويورك تايمز لهذا الأسبوع

GMT 12:08 2020 السبت ,16 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 23:02 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

عرض فيلم "Whispering truth to power" بمركز الحرية للإبداع

GMT 20:27 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

راما دوجي من شوارع بيروت إلى منصات نيويورك

GMT 15:03 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

حفل رقص يثير الجدل في الكويت وتحرك عاجل من الحكومة

GMT 23:35 2020 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

السعودية تسجل هزة أرضية في مكة المكرمة مكة

GMT 10:37 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

غزة تسبق مدنا كثيرة في إضاءة شجرة الميلاد

GMT 07:11 2019 الخميس ,19 أيلول / سبتمبر

الحل مع إيران

GMT 11:12 2023 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الجيش الإسرائيلي يعتقل مدير مستشفى الشفاء

GMT 12:52 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

الملابس بنقوش الزهور من صيحات الموضة الرائجة دومًا

GMT 06:10 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

تنبؤات بارتفاع درجة الحرارة في روسيا أواخر كانون الثاني

GMT 20:53 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

بن سلمان يؤكّد أنّ اتفاق “أوبك بلس” أنقذ النفط العالمي

GMT 07:12 2020 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

أجمل موديلات سلاسل ذهب أبيض ناعمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon