الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية

الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية

الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية

 السعودية اليوم -

الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية

عمرو الشوبكي
بقلم : عمرو الشوبكي

كثيراً ما اعتبر البعض أن التوجُّه السياسي هو العامل الحاسم، وأحياناً الوحيد لتحقيق التقدم أو النصر على الخصوم والأعداء، وكثيراً ما قدَّس البعض الآخر أنساقاً آيديولوجية مغلقة ودافعوا عنها حتى الموت، متصورين أنها طريق الخلاص في الدنيا والآخرة. وقد كان لهذه العقائد واللافتات بريق وحضور في بدايات القرن الماضي مع ثورات آيديولوجية كبرى في روسيا والصين وغيرهما، واعتبرت طريق التغيير والتقدم حتى خفت حضورُها، وبات من الصعب القول مع نهايات القرن الماضي إن التوجُّه السياسي يكفي لتحقيق التقدم، وإن النظم الناجحة هي التي تمتلك منظومة أخرى تحدد تقدمها، وهي كفاءة المؤسسات ومهنيتها وفاعليتها والإيمان بالعلم، وهي منظومة محايدة ويمكن أن توضع على أي لافتة آيديولوجية وتكون المعيار الحاسم في نجاحها.

والحقيقة أن أي «مسح» لخريطة النظم السياسية المختلفة في العالم يشير إلى أن النظم الناجحة هي التي بنت منظومة إدارية ومؤسسية كفؤة بصرف النظر عن توجهها السياسي. فبلاد مثل الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي اختلفت كثيراً عن تجارب الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، والتي سقطت تباعاً منذ نحو ثلاثة عقود، لأنها حرصت على أن تكون جزءاً من النظام العالمي وتندمج فيه بشروطها، وأن تمتلك بنية مؤسسية منظمة وتؤمن بالعلم والمهنية، فمن إشارة المرور التي تُحترم في أصغر شارع في الصين، إلى مؤسسات صناعية وإدارية كفؤة وجامعات ومؤسسات بحث علمي رفيعة المستوى. سياسة

إن انهيار النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي والنظم العسكرية في أميركا الجنوبية يرجع في جانب رئيسي منه إلى غياب الكفاءة والمهنية التي اعتبرت في النظم الأولى قيماً «إمبريالية»، وتحولت إلى نظم بيروقراطية فاشلة مختبئة خلف راية آيديولوجية، على عكس تجربة الصين التي آمنت بالمهنية والعلم رغم عدم ليبرالية نظامها، أما الثانية فلم تُعرها اهتماماً يذكر لأنها انشغلت بقمع الناس والتلصص عليهم أكثر من بناء مؤسسات كفؤة تحل مشاكلهم اليومية.

وإذا نظرنا إلى تجربة أخرى أمعنت في ألوان مختلفة من الشعارات الآيديولوجية البراقة فلن نجد أوضح من الشعارات التي رفعها نظام القذافي، وحول معها الجيش إلى كتائب، وتصور الرجل أن شعارات الكتاب الأخضر بديل عن كل قواعد الإدارة والعلم والمهنية التي يفترض وجودها في أي دولة حديثة.

وتكفي مقارنة النظام الذي تأسس في ليبيا على مدار 42 عاماً في دولة نفطية ثرية، بدول الخليج التي أنفقت مداخيل النفط على جهاز إداري حديث ومؤسسات مهنية كفؤة كانت أساس النجاح بعيداً عن التوجُّه والشعار السياسي، حتى أصبح من الممكن وضع الكفاءة والمهنية قبل توجهات أي نظام سياسي، وهي التي ستحدد نجاحه من عدمه.

والحقيقة أن الدول في عالم اليوم التي حققت اختراقات في واقعها ونقلت مجتمعها وشعبها خطوات إلى الأمام هي التي اهتمت بإصلاح المؤسسات وكفاءتها، فإصلاحات الرئيس رجب طيب إردوغان في تركيا مثلاً لم تأتِ فقط أو أساساً بسبب قوة حزبه ولا قرب شعاراته الآيديولوجية لقطاع واسع من الشعب التركي، إنما بالإصلاح المؤسسي لأجهزة الدولة.

وإذا ذهبنا إلي أقاصي القارات فسنجد أن الرئيس البرازيلي إغناسيو لولا دا سيلفا نجح وعاد للسلطة مرة أخرى، ومن الوارد أن يُعاد انتخابه مرة رابعة بفضل إيمانه بالمؤسسات ودعمه لمهنيتها وحيادها على خلاف سلفه الذي خسر الانتخابات وأدين بالتحريض ضد قواعد عمل هذه المؤسسات والاعتداء على حيادها ومهنيتها، الفارق بين الرجلين ليس فقط أو أساساً الفارق بين اليسار واليمين وبين الاشتراكي والرأسمالي، إنما بين من احترم الكفاءة والمهنية والإصلاح الإداري والشرطي ودعم السلطة المدنية على حساب السلطة العسكرية، وبين العشوائي الذي كسر القواعد المهنية والقانونية والإدارية.

نجاح رئيس محافظ في العالم الإسلامي كالراحل مهاتير محمد لم يكن راجعاً لأنه صاحب توجُّه إسلامي مثل عصا سحرية لنجاحاته، إنما لكونه آمن بالعلم وبالكفاءة والإنجاز وبنى نموذجاً يؤمن بالقانون والعدل الذي شكَّل خلفية نجاح لأي توجُّه سياسي وحقق في النهاية نجاحاً باهراً نقل بلده إلى مصاف الدول المتقدمة في 20 عاماً.

على كثيرين في العالم العربي أن يعرفوا أن تجارب النجاح ليست نتاج لافتة آيديولوجية، إنما منظومة مبادئ وقواعد باتت أقرب إلى الحقائق العلمية في الإدارة والقانون والبحث العلمي وكفاءة المؤسسات، وأن الاهتمام بهذه المنظومة بات فرض عين على الجميع لأنه هو الذي سيحسم تقدمنا وليس المعارك الآيديولوجية.

arabstoday

GMT 04:57 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أدوات التهدئة

GMT 04:53 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فى انتظار زكريا الحجاوى

GMT 04:52 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

تحالفات جديدة

GMT 04:51 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسة ترامب!

GMT 04:48 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رئيس من خارج الصندوق

GMT 04:47 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كل حرب ولدت أخرى

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon