فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى

فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى

فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى

 السعودية اليوم -

فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى

عمرو الشوبكي
بقلم : عمرو الشوبكي

كثيراً ما شهدت الانتخابات الفرنسية استقطاباً حاداً أو لحظات مفصلية وتحولات كبرى، والواضح أن انتخابات الرئاسة المقبلة والمقرر إجراؤها العام المقبل، ستكون واحدة من هذه الانتخابات، والتي «هلت بشائرها» بعقد جمعية أرباب الأعمال الفرنسيين مؤتمراً ضخماً حضره نحو 6 آلاف شخص، وتحدث فيه المرشحون السبعة الكبار عن برامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

والحقيقة أن الاستقطاب الذي تشهده هذه الانتخابات هو تتويج لنمط جديد من الاستقطاب والصراع السياسي استمر لأكثر من عقدين بين تيار أقصى اليمين ممثلاً في حزب «التجمع الوطني»، وتيار أقصى اليسار ممثلاً في حزب «فرنسا الأبية».

صحيح أن فرنسا شهدت من قبل استقطاب اليمين واليسار، وعرفت لحظة مفصلية في تاريخها حين أسفر هذا الاستقطاب عن حدوث أول تداول للسلطة في تاريخ الجمهورية الخامسة (التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958) حين فاز مرشح اليسار فرنسوا ميتران على الرئيس اليميني جيسكار ديستان عام 1981، ليتوج بذلك تاريخ الاستقطاب بين اليمين واليسار بعملية تداول للسلطة في اتجاه اليسار الذي تبنى وقتها أفكاراً اشتراكية قديمة من تأميم شركات كبرى وتوحيد نظام التعليم سرعان ما تراجع عنها بعد أشهر من وصوله إلى السلطة.

والحقيقة أن التعبئة السياسية والاستقطاب ليسا غريبين على فرنسا؛ فعلى عكس بلدان أوروبية أخرى عرفت «استقطاباً ناعماً» عقب الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا وبريطانيا والبلاد الإسكندنافية، وكان فيها اليسار اجتماعياً ديمقراطياً، واليمين ليبرالياً ديمقراطياً أو مسيحياً، وغابت تقريباً، أو كانت على الهامش، قوى اليسار الثوري والشيوعي الذي كان حاضراً بقوة في فرنسا، وشارك الحزب الاشتراكي في حكم البلاد عقب انتخابات 1981. والمؤكد أن لحظة انتقال السلطة إلى اليسار مثلت تحدياً كبيراً للنظام السياسي الفرنسي، لأن الرئيس فرنسوا ميتران وصل وهو يرفع شعارات القطيعة مع النظام الرأسمالي والقيم البديلة للنظام الرأسمالي، واختلف مع جوهر النظام القائم وليس مع برنامج أو توجه سياسي، صحيح أنه بعد أشهر من وصوله إلى السلطة لم يحدث قطيعة مع النظام الرأسمالي، إنما أحدث قطيعة مع اشتراكيته التي بشر بها، ولم ينهر النظام الرأسمالي إنما استمر وتطور وجدد من بعض أسسه، وأصبح بعدها التنافس بين اليسار واليمين في فرنسا والدول الأوروبية تنافساً على تفاصيل سياسية واقتصادية، وعلى تجديد النخبة الحاكمة وضخ دماء جديدة أكثر من تقديم سياسات جديدة ومختلفة، وشعر جانب واسع من المواطنين بأن أحواله لا تتغير مع حكم اليمين أو اليسار وفق المثل العربي «أحمد مثل الحاج أحمد».

وقد تغيرت الحال مع دخول المتغير الثقافي لحلبة الاستقطاب السياسي الجديد في أوروبا، وكان وقوده قضية المهاجرين الأجانب والهوية والإسلام ودمج الجيل الثاني من المهاجرين وغيرها من الأمور، وبدا واضحاً أن هناك تيارين يتصارعان حول هذه القضايا؛ وهما حزب «التجمع الوطني» في أقصى اليمين، وحزب «فرنسا الأبية» في أقصى اليسار.

وقد اعتمد الحزب الأول في جانب رئيسي من كتلته التصويتية على الرافضين للمهاجرين الأجانب والمتشككين في انتماء الفرنسيين من أصول عربية لـ«العلمانية الفرنسية» وفي قدرتهم أن يصبحوا مواطنين «كاملين» مثل الفرنسيين «الأصليين» من أصحاب البشرة البيضاء، ورفع شعار «هجرة صفر» وترحيل المهاجرين غير النظاميين.

أما الحزب الثاني فقد اعتمد في جانب كبير من كتلته التصويتية على أبناء وأحفاد المهاجرين ممن حملوا جنسية البلد الجديد، وصاروا مواطنين، وكيف أن زعيم الحزب ميلونشون كرر في مناسبات عديدة جملة لها دلالة، قائلاً: «حين كنت شاباً كانت تقريباً نسبة الفرنسيين من أصول مهاجرة 1 في المائة، أما الآن فقد أصبحوا من 1 إلى 4 في المائة»، وأضاف: «آباؤكم وأجدادكم بنوا فرنسا، وإياكم أن تقبلوا أن تكون حقوقكم أقل من باقي الفرنسيين»، وعبّر حزبه عما يسمى «فرنسا الجديدة» التي يعيش فيها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات من أصول عرقية مختلفة.

صحيح هناك قضايا أخرى تمثل خلافاً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الفرنسية؛ مثل التعامل مع الدين العام والمالية وسن التقاعد وقضايا التصنيع والأجور وغيرها، وهي قضايا تمثل تبايناً صحياً تعرفه كل الديمقراطيات الغربية، ولكن ستظل قضايا الاستقطاب الحقيقي والعميق بين تيارين كلاهما يحمل موقفاً متناقضاً من قضايا الهجرة والمهاجرين والهوية، ومن شكل فرنسا الجديدة والموقف من الإسلام ومن إسرائيل، وهي كلها أمور تشير إلى أن فرنسا دخلت عملياً عصر «الاستقطاب الثاني» الكبير في أقل من نصف قرن، وبات وارداً أن يكون الطرف الفائز في الانتخابات المقبلة ليس اليسار كما جرى في انتخابات 1981، إنما تيار أقصى اليمين، والذي سيضع المنظومة القانونية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية أمام تحدٍ جديد أصعب من وصول اليسار إلى السلطة عام 1981. سياسة

كثيراً ما شهدت الانتخابات الفرنسية استقطاباً حاداً أو لحظات مفصلية وتحولات كبرى، والواضح أن انتخابات الرئاسة المقبلة والمقرر إجراؤها العام المقبل، ستكون واحدة من هذه الانتخابات، والتي «هلت بشائرها» بعقد جمعية أرباب الأعمال الفرنسيين مؤتمراً ضخماً حضره نحو 6 آلاف شخص، وتحدث فيه المرشحون السبعة الكبار عن برامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

والحقيقة أن الاستقطاب الذي تشهده هذه الانتخابات هو تتويج لنمط جديد من الاستقطاب والصراع السياسي استمر لأكثر من عقدين بين تيار أقصى اليمين ممثلاً في حزب «التجمع الوطني»، وتيار أقصى اليسار ممثلاً في حزب «فرنسا الأبية».

صحيح أن فرنسا شهدت من قبل استقطاب اليمين واليسار، وعرفت لحظة مفصلية في تاريخها حين أسفر هذا الاستقطاب عن حدوث أول تداول للسلطة في تاريخ الجمهورية الخامسة (التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958) حين فاز مرشح اليسار فرنسوا ميتران على الرئيس اليميني جيسكار ديستان عام 1981، ليتوج بذلك تاريخ الاستقطاب بين اليمين واليسار بعملية تداول للسلطة في اتجاه اليسار الذي تبنى وقتها أفكاراً اشتراكية قديمة من تأميم شركات كبرى وتوحيد نظام التعليم سرعان ما تراجع عنها بعد أشهر من وصوله إلى السلطة.

والحقيقة أن التعبئة السياسية والاستقطاب ليسا غريبين على فرنسا؛ فعلى عكس بلدان أوروبية أخرى عرفت «استقطاباً ناعماً» عقب الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا وبريطانيا والبلاد الإسكندنافية، وكان فيها اليسار اجتماعياً ديمقراطياً، واليمين ليبرالياً ديمقراطياً أو مسيحياً، وغابت تقريباً، أو كانت على الهامش، قوى اليسار الثوري والشيوعي الذي كان حاضراً بقوة في فرنسا، وشارك الحزب الاشتراكي في حكم البلاد عقب انتخابات 1981. والمؤكد أن لحظة انتقال السلطة إلى اليسار مثلت تحدياً كبيراً للنظام السياسي الفرنسي، لأن الرئيس فرنسوا ميتران وصل وهو يرفع شعارات القطيعة مع النظام الرأسمالي والقيم البديلة للنظام الرأسمالي، واختلف مع جوهر النظام القائم وليس مع برنامج أو توجه سياسي، صحيح أنه بعد أشهر من وصوله إلى السلطة لم يحدث قطيعة مع النظام الرأسمالي، إنما أحدث قطيعة مع اشتراكيته التي بشر بها، ولم ينهر النظام الرأسمالي إنما استمر وتطور وجدد من بعض أسسه، وأصبح بعدها التنافس بين اليسار واليمين في فرنسا والدول الأوروبية تنافساً على تفاصيل سياسية واقتصادية، وعلى تجديد النخبة الحاكمة وضخ دماء جديدة أكثر من تقديم سياسات جديدة ومختلفة، وشعر جانب واسع من المواطنين بأن أحواله لا تتغير مع حكم اليمين أو اليسار وفق المثل العربي «أحمد مثل الحاج أحمد».

وقد تغيرت الحال مع دخول المتغير الثقافي لحلبة الاستقطاب السياسي الجديد في أوروبا، وكان وقوده قضية المهاجرين الأجانب والهوية والإسلام ودمج الجيل الثاني من المهاجرين وغيرها من الأمور، وبدا واضحاً أن هناك تيارين يتصارعان حول هذه القضايا؛ وهما حزب «التجمع الوطني» في أقصى اليمين، وحزب «فرنسا الأبية» في أقصى اليسار.

وقد اعتمد الحزب الأول في جانب رئيسي من كتلته التصويتية على الرافضين للمهاجرين الأجانب والمتشككين في انتماء الفرنسيين من أصول عربية لـ«العلمانية الفرنسية» وفي قدرتهم أن يصبحوا مواطنين «كاملين» مثل الفرنسيين «الأصليين» من أصحاب البشرة البيضاء، ورفع شعار «هجرة صفر» وترحيل المهاجرين غير النظاميين.

أما الحزب الثاني فقد اعتمد في جانب كبير من كتلته التصويتية على أبناء وأحفاد المهاجرين ممن حملوا جنسية البلد الجديد، وصاروا مواطنين، وكيف أن زعيم الحزب ميلونشون كرر في مناسبات عديدة جملة لها دلالة، قائلاً: «حين كنت شاباً كانت تقريباً نسبة الفرنسيين من أصول مهاجرة 1 في المائة، أما الآن فقد أصبحوا من 1 إلى 4 في المائة»، وأضاف: «آباؤكم وأجدادكم بنوا فرنسا، وإياكم أن تقبلوا أن تكون حقوقكم أقل من باقي الفرنسيين»، وعبّر حزبه عما يسمى «فرنسا الجديدة» التي يعيش فيها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات من أصول عرقية مختلفة.

صحيح هناك قضايا أخرى تمثل خلافاً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الفرنسية؛ مثل التعامل مع الدين العام والمالية وسن التقاعد وقضايا التصنيع والأجور وغيرها، وهي قضايا تمثل تبايناً صحياً تعرفه كل الديمقراطيات الغربية، ولكن ستظل قضايا الاستقطاب الحقيقي والعميق بين تيارين كلاهما يحمل موقفاً متناقضاً من قضايا الهجرة والمهاجرين والهوية، ومن شكل فرنسا الجديدة والموقف من الإسلام ومن إسرائيل، وهي كلها أمور تشير إلى أن فرنسا دخلت عملياً عصر «الاستقطاب الثاني» الكبير في أقل من نصف قرن، وبات وارداً أن يكون الطرف الفائز في الانتخابات المقبلة ليس اليسار كما جرى في انتخابات 1981، إنما تيار أقصى اليمين، والذي سيضع المنظومة القانونية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية أمام تحدٍ جديد أصعب من وصول اليسار إلى السلطة عام 1981.

 

arabstoday

GMT 04:57 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أدوات التهدئة

GMT 04:53 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فى انتظار زكريا الحجاوى

GMT 04:52 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

تحالفات جديدة

GMT 04:51 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسة ترامب!

GMT 04:48 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رئيس من خارج الصندوق

GMT 04:47 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كل حرب ولدت أخرى

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon