بقلم: عبد المنعم سعيد
بشكل ما، واستكمالًا لمقال الأحد الماضى، «أوباما وترامب» فإن مواجهتهما أثناء الانتخابات الخاصة بـ«التجديد النصفى» لمجلسى الكونجرس تعبر عن مخاض جارٍ فى الولايات المتحدة يحتاج الكثير من البصر والبصيرة لرؤية التغيير كما يحدث، وكيف يتراكم حتى نشهد عالمًا جديدًا. لقد كتبت من قبل عن انقسام الفلاسفة والمفكرين حول القوى المحركة للتاريخ، تكون أكثر تقدمًا لدى جماعة، وتأخذ الجنس البشرى إلى الهاوية لدى جماعة أخرى. الليبراليون رأوا فى المؤسسات الديمقراطية ما يستجيب لعمليات التغيير، ويرعاها فى سلاسة، فتكون للأغلبية قوة دفع تحدد ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة. الماركسيون والاشتراكيون وجدوا آلة الانتقال فى قوى مادية ممثلة فى الإنتاج والتكنولوجيا المصاحبة تنعكس فى علاقات طبقية تتصارع فيكون صراعها وقودًا دافعًا للانتقال من عصر إلى آخر. الإصلاحيون بين هذا وذاك وجدوا فى الاعتدال وتقاسم الحكمة والبرجماتية نوعًا من حماية المجتمع البشرى من الزلل، ودافعًا إلى ما هو معقول وعاقل. الآن فإن الدولة العظمى- الولايات المتحدة- غزيرة الإنتاج وكثيرة العسكر، تشهد مرحلة من مراحل التطور الحادة التى تتصارع فيها الفوضى مع النظام.
لا شىء عبَّر عن هذا الصراع قدر تجسيد الفوضى فى شخص واحد صار مدرسة كاملة من عدم الانضباط اللفظى والجسدى حيث النبرة والإشارة تهبط بالأسماء والمعانى إلى هوة من السوقية يصعب فيها الإمساك ببرنامج للمستقبل أو وجهة نظر تصلح من الحاضر، حيث الحرب والغلاء، أو تصحيحًا للماضى بالحقيقة ودون افتراء أو لعنة. كانت درجة الحرارة قد هبطت إلى الصفر فى مدينة بوسطن بولاية «ماساتشوستس»، وجعلت الإقامة فى المنزل ضرورية ومعها كانت جميع المحطات التليفزيونية لا يوجد لديها سوى التغطية الانتخابية التى أعطت الرئيس ترامب وقتًا واسعًا للكلام والحديث الذى جرى فى ٤٤ ولاية أمريكية ردد فيها أنه انتصر انتصارًا مؤزرًا على إيران حينما دمر أسطولها البحرى والجوى وقيادتها السياسية والعسكرية والعلمية ومنشآتها النووية مع السيطرة على مضيق «هرمز»؛ ومحاصرة الموانئ الإيرانية، مهددًا بجولة تدمير جديدة، مع إشارة إلى الضغوط الإيرانية من أجل التفاوض! الخطاب لا يخلو من مهاجمة الخصوم الديمقراطيين أو الذين خرجوا عليه فى الحزب الجمهورى بألفاظ جسدية غير مسبوقة أو التعريض بموطن السياسى فى بلاد تماثل المصارف العامة.
ما جعل الأمر أكثر إثارة وإحباطًا حول «المسألة الديمقراطية» أن الرئيسين الأمريكيين «بيل كلينتون» و«باراك أوباما» دخلا الساحة أيضًا بلغة سياسية ليس لها مرجعية بين رئيس متقاعد والآخر فى السلطة، حيث كلاهما مثل ويمثل الدولة العظمى الأولى فى العالم. الأول ركز على فساد السياسة التى يتبعها ترامب فى الداخل والخارج، وخاصة ما يخص حرب إيران؛ بينما طرح الثانى سياسة الفساد التى يتبعها مع عائلته وأنصاره. التقاليد الأمريكية السابقة قامت على الحساسية البالغة للرئيس الذى انتهت مدة رئاسته تجاه الرئيس المقيم فى البيت الأبيض؛ وحساسية هذا الأخير فى احترام الرئيس السابق فى الحياة والممات. أذكر أننى والسيد رياض المالكى، وزير الخارجية الفلسطينى الأسبق، ذهبنا إلى أتلانتا (جورجيا) حيث يقيم الرئيس «جيمى كارتر» لدعوته باعتباره داعيًا للسلام فى الشرق الأوسط لحضور مؤتمر فى الموضوع نسعى إليه. كان الرجل رفيقًا بنا وهو يعتذر عن عدم الحضور ويطرح بديلًا مسجلًا نظرًا لأنه لا يستطيع الحديث ويسبب حرجًا للرئيس كلينتون فى هذا الوقت إذا ما تعارض ما يقول به عن السياسة الحالية. لأسباب كثيرة لم ينعقد المؤتمر ولكن الظن وقتها أن الرئيس السابق سوف يعرض الأمر على الرئيس الحالى.
مثل هذه الحساسية لم يعد لها وجود فى السر أو فى العلن؛ ومن عجب فإن المناقشين والمحللين للأفعال والأقوال، وكثير منهم شارك فى الحملات الرئاسية السابقة أو شارك فى مناصب رفيعة فى الدولة الأمريكية، لم يبد عليهم استنكار أو إدانة لمغادرة التقاليد الأمريكية، والمرجح أن فى الأمر خشية. فهم الظاهرة ربما يعود إلى حقيقتين يبدو أنهما باتتا تؤثران فى عمق الحضارة الغربية، حيث توجد تشابهات كثيرة بين ما يحدث فى أوروبا والولايات المتحدة فى وقت قضى باتساع الفجوة السياسية بينهما. الأولى منها هى التغييرات الديمغرافية العميقة التى نجمت عن «العولمة» والتى ظهرت ليس فقط فى أمريكا بعزلة ولايات السواحل عن تلك التى فى الوسط والجنوب؛ وإنما أكثر من ذلك فى «الشعبوية» التى تقوم على معاداة الآخر على أسس من الديانة أو اللون. أثناء الانتخابات النصفية الحالية جرى الجدل القائم من جانب الرئيس ترامب حول المرشح الديمقراطى لمجلس الشيوخ «عبدالرحمن السيد» واتهامه بالإرهاب فى إطار من «الإسلاموفوبيا» المقيتة فى صراحتها، وفى الطريق جرت إدانة عضوة مجلس النواب «إلهان عمر» باعتبارها قادمة من بلاد كالمصارف العامة. الحقيقة الثانية أن التكنولوجيات الحديثة تسرع فى تعميق هذه الشروخ فى الساحة السياسية الأمريكية؛ وتقوم القيادة الحالية بنشرها فى الحملة الانتخابية بحيث تمس كل من يستمع. الحقيقتان الأولى والثانية على الأرجح سوف تعيشان مع الولايات المتحدة، وربما بقية العالم، لأن كلتيهما تعبر عن اتجاهات أكثر عمقًا فى الحياة الأمريكية، وكذلك فى الكثير من دول العالم.