بقلم: طارق الشناوي
تراجعنا كثيرا، صارت معاركنا تكاد تنحصر فى الحديث عن الفستان فوق الركبة بكم سنتى، كل منا أمسك (المازورة) متنقلا بين السيقان والأكتاف والنهود.. والسؤال الذى يشغل الجميع: هل ظهر شىء يهدد سلامة المجتمع وأمنه الوطنى؟.
صرنا فريقين، الأول يؤيد فرض مزيد من القيود، بإثارة نخوة الرجال نحو (التزمت التام أو الموت الزؤام)، ومن الممكن أن نطلق عليه فريق (ماما نجوى)، التى كانت الأعلى صوتا فى سخريتها من الفنانات والمهرجانات، وينطبق عليها توصيف (شاهد من أهلها)، نجمة سينمائية أطلقها يوسف شاهين، وأسند لها بطولة فيلم (الأرض) عام 1970، وذلك بعد انطلاقها بنحو 4 سنوات، امتلكت فيها حب جمهور الشاشة الصغيرة، وتصدر اسمها (التترات)، يقف على الجانب الآخر من حزب (ماما نجوى) حزب د. أشرف زكى بصفته الاعتبارية (نقيب الممثلين).
الصوت الأعلى على (السوشيال ميديا) وفى القطاع الأكبر من الفضائيات هم الغاضبون، بينما لو عدت إلى الستينيات والسبعينيات، فستكتشف أن حرية المرأة فى ارتداء الفستان هى القاعدة.. حفلات أم كلثوم على سبيل المثال تشهد على ذلك، لن تجد بين كل السيدات واحدة ترتدى حجابا. تكتشف أيضا أن القسط الأكبر من النساء يُدَخِنَّ. الآن التربة صالحة جدا للتنفيس عن حالة الغضب من مظاهر عديدة فى المجتمع، ولهذا يعلو الصوت الرافض الذى يجد أمامه مساحة أكبر للتعبير، عندما يصبح الحديث عن (الفستان). نحن لا نرى مشاكلنا على الشاشات، ولن تجد مساحات مفتوحة إعلاميا تسمح بالاختلاف. الرقابة على المصنفات الفنية ازدادت شراسة، المجتمع أيضا صار لديه العديد من التحفظات، ودائما ما يُحمّل الدراما كل أخطاء وخطايا الحياة. لدينا أكثر من فيلم ممنوع من العرض، كما أن المصفاة التابعة للرقابة تتحفظ فى الموافقة على عشرات من الأفكار والسيناريوهات بحجة تناقضها مع قيم المجتمع.
مثلا هل من الممكن أن توافق الرقابة المصرية حاليا على سيناريو فيلم (خللى بالك من زوزو)؟. ننزل درجة، ونسأل: هل توافق الرقابة على التصريح بـ(الأفيش)؟. ننزل إلى أول السلم، هل نستطيع أن نذكر الحقيقة ونعلن أن ( زوزو) فى الأصل هى الصحفية الكبيرة بجريدة الأهرام الراحلة، بهيرة مختار حسين. والدها كان أحد أبطال العالم فى المصارعة، وكثيرا ما استعانت به السينما فى أدوار صغيرة، ولو بحثت عن صورته على (يوتيوب) فسوف تتذكر ملامحه. عدد كبير من المخرجين فى الأربعينيات والخمسينيات، عندما يجدون مشهدا به عصابة يستعينون به كومبارس متكلما.
كانت (زوزو) على الشاشة هى الشخصية الأشهر على خريطة سعاد، رغم عشرات النجاحات، بل القفزات الجماهيرية التى حققتها.
بينما حسين فهمى (الواد التقيل)، لا يزال محتفظا بمرونته، مرددا: (العمر مجرد رقم فى جواز السفر)، وظل لقب (الواد التقيل) يصاحبه حتى الآن.
حكاية الفيلم بدأت عندما تواصل مخرج الروائع حسن الإمام مع الراقصة نبوية مصطفى، وجد فى صوتها شيئا من الحزن، سألها، قالت له إن عريسا تقدم لابنتها وعندما علم أن أمها راقصة تراجع، ولمعت فى أعماقه الفكرة، وتواصل مع الشاعر صلاح جاهين والكاتب الدرامى محمد عثمان، ومع كثير من التعديلات أصبحت رائعة (خللى بالك من زوزو).
هل نملك اليوم إعلان أن (زوزو) فى الأصل هى الصحفية بهيرة مختار حسين؟. المسافة بين ما تعلنه الشاشة وحقيقة الشارع هى تحديدا الدافع الحقيقى الذى جعل القسط الأكبر يمسك (المازورة) ويقيس بالسنتيمتر فوق أو تحت الركبة!!.