مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

 السعودية اليوم -

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

بقلم : تركي الدخيل

مِن الكُتُبِ الجَديدةِ كِتَابُ الدكتور علي بنِ تميمٍ الّذِي سَمَّاهُ: «عيون العجائبْ فيمَا أوْرَدَهُ أبُو الطَّيبِ من اخترَاعَاتٍ وغرائبْ»، مِنْ مَنشُورَاتِ «مَركَز أبوظبي للغة العربية» فِي دَائرةِ الثَّقافةِ وَالسّياحَةِ الظبيَانِيَّةِ، وَيقعُ فِي 303 صَفَحَاتٍ.

وَالكِتَابُ يَحْمِلُ لَوْحَاتٍ رَسَمَهَا الدُّكتُورُ مَحمود شُوبر، وَقَدَّمَهُ المُؤَلِّفُ بِمُقَدِّمَةٍ عَنْ مَفْهُومِ الاخترَاعِ الشِّعْرِي، فَأشَارَ فِيهَا إلَى شَرْحِ الوَاحِدِي لِدِيوَانِ المُتَنَبّي، وَوُقُوفِهِ عَلَى مَعْنًى تَفَرَّدَ فِيهِ المُتَنَبّي فَوَصَفَهُ بِأنَّه «منِ اختراعاتِ المُتَنَبّي».

ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ ديوانِ المُتَنَبّي المُسَمَّى «مُعجز أحمَد»، المَنْسُوبِ نِسْبَةً لَا تَصِحُّ إلَى أبِي العَلَاءِ المَعَرّي، مَعَ أنَّ الدُّكْتُورَ عَلِي نَسَبَهُ إلَى المَعَرِي مِنْ دُونِ إشَارَةٍ إلَى خَطَأ نِسْبَتِهِ لَهُ، وَفِي الكِتَابِ حَدِيثٌ عَنْ مَعْنَى جَاءَ بِهِ شَاعِرُ الدُّنْيَا عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، فَقَالَ الكِتَابُ: «وَهذَا منِ اختراعَاتِ أبِي الطَّيّبِ وَفَرائِدِه». قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ غَفَرَ الله لَهُ: وَعِنْدَ العَامَّةِ فِي الخَلِيجِ العَرَبِي: الخَرْعَةُ بِمَعْنَى الخَوفِ. يَقُولُونَ: اخْتَرَعَ: خَافَ، وخَرَّعْتَنِي: أخفتَنِي، ويُخَرِّعُ: يُخَوِّفُ.

جَاءَ فِي «المُعجَمِ الدّلَالِي بينَ العَامّي وَالفَصِيح»، لِلدُّكتُورِ عبدِ اللهِ الجبورِي، مَا يَلِي:

الاخْتِرَاعُ: الخِيَانَةُ وَالأَخْذُ مِن المَالِ مثل الاخترَاعِ. وَهُوَ كَذَلِكَ الاسْتِهْلَاكُ.

وَفِي الحَدِيث: «إنَّ المُغيَّبة يُنْفَقُ عَليهَا مِنْ مَالِ زوجِهَا مَا لَمْ تَخترعْ مالَهُ». «التكملة».

وَفِي العَرَبِيَّة المُعَاصِرَةِ: الاخْتِرَاعُ هُوَ الاكْتِشَافُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، أيْ: إِيجَادُ شَيءٍ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً مِنْ قَبْل.

وَفِي العَامِيَّةِ: فُلَانٌ خَرَعَ مِنْ كَذَا، إذَا فَزِعَ وَجَفَلَ، وَهَذَا منْ الفَصِيحِ، يُقَالُ: فُلانٌ خَرَعَ إذَا كَانَ ضَعِيفاً جَبَاناً.

وَعِنْدَ الأعْرَابِ، «خَرّاعة خُضْرة» وَهُوَ الخَيَالُ المَنْصُوبُ بينَ الزَّرْعِ لِإِخَافَةِ الطُّيُورِ وَالحَيَوَانَاتِ. وَهُوَ: النُّطَّار، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضاً: المِجْدار. «التَّكمِلَة»، ويقال له أيضاً: «خيال المآتة» و«فَزَّاعَة».

قالَ الجَاحظُ فِي «الحَيوان»، تعليقاً علَى قولِ اللهِ تَعَالَى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ):

بعضُ النَّاسِ قد سوَّى بينَ الذُّبَّان والنَّاس في العَجز، وقالُوا: فقدْ يولِّد النّاسُ من التَّعفين الفَراش، وغير الفراش وَهذَا خلقٌ، علَى قَولِه: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) وعلَى قولِه: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وَعَلَى قَولِ الشَّاعرِ:

وَأرَاكَ تَفرِي مَا خَلقتَ

وبَعْــضُ القومِ يخلقُ ثمّ لا يَفرِيقِيلَ لَهمْ: إنَّمَا أرادَ الاخْتراعَ، وَلَمْ يُردِ التَّقدِير.

وَعَوداً علَى بَدءٍ، فَقدْ أوْرَدَ الدُّكتورُ عَلِي بنُ تَميم فِي «عُيون العجائب»، أربعينَ بيتاً لأبِي الطَّيّب، فيهَا اخْترَاعاتٌ للمتنبي، لمْ يَسبِقْهُ إليهَا أَحَدٌ، مِنهَا قَولُهُ:

أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ

وخَيرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ

وَذكرَ ابنُ تميم، في تعليقِه علَى البَيتِ أنَّ المُتنَبّي «جَمعَ الخَيلَ وَالكتَابَ فِي بَيْتٍ وَاحدٍ، وكثيراً مَا حَرصَ علَى فِعلِ ذَلكَ، كَأنَّه يُريدُ أنْ يقولَ إنَّ علَى الشَّاعِرِ المُثَقَّفِ أنْ يكونَ فَارساً، أوْ كأَنَّ الفُرُوسِيَّةَ هيَ أحَدُ وُجُوهِ الشِّعر وَالثَّقَافَة، أوْ أنَّ الشِّعر هوَ أَحَدُ وُجُوهِ الفُرُوسِيَّةِ، أوْ كَأنَّهمَا وَجْهَاهُ اللَّذانِ يُكمّلَانِ بَعضَهُمَا بَعضاً، وَفِي بيتِهِ الشَّهِيرِ يُؤكّدُ هذَا المَعْنَى:

الخَيلُ وَاللَّيلُ وَالبَيدَاءُ تَعْرِفُنِي

وَالحَرْبُ والطَّعْنُ والقِرْطَاسُ والقَلَمُ

فَيَبدأُ بِالخَيلِ ويُنهِي بِالقَلَمِ، كأَنَّهُمَا وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَة، وَيقولُ أيْضاً فِي بَيتٍ آخَرَ:

أَنَا ابْنُ الفَيَافِي أَنَا ابْنُ القَوافِي

أَنَا ابْنُ السُّرُوجِ أَنَا ابْنُ الرِّعَانِ

فيقولُ أنَا صَاحِبُ الفَلَوَاتِ لِكَثرةِ جَوْبي إِيَّاها بخيلِي، وَصَاحِبُ القَصَائِدِ؛ أُجيدُها وأُبدِعُ فيهَا، وَصَاحِبُ الجِبالِ؛ لِكَثرة سُلُوكي طُرُقَهَا، وَيَقُولُ فِي بيتٍ آخَرَ:

أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ القَوَافِي

وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسُودِ

وَالجَمعُ بينَ الخَيلِ وَالقَوَافِي فِي شِعرِ أبِي الطَّيّبِ واضِحٌ ومُتعدِّدٌ؛ لَكنِّي أعُدُّ أنَّ أجمَلَهُ مَا جَاءَ فِي بيتِنَا؛ حَيثُ يَضعُ كُلَّاً مِنْهُمَا فِي مَكَانةٍ عَالِيَةٍ، فَالسَّرجُ أَعَزُّ مَكَانٍ، وَالكِتَابُ خَيرُ جَلِيسٍ».

وَقَفَاتُ عَلِي بنِ تَميمٍ، مِنَ الجَمَالِ بِمَكَانٍ يَجْعَلُهَا فِي مَنْزِلَةِ العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ، فَاسْتَحَقَّ اسْمُ كِتَابِهِ مُسَمَّاه، فَهُوَ بِحَقٍ: «عُيونُ العَجائب فِي مَا أوْردَهُ أبُو الطَّيِّبِ مِنْ اختراعَاتٍ وَغَرَائِب».

arabstoday

GMT 15:44 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

GMT 15:39 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 15:30 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

GMT 00:17 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

42 عاماً من الأفكار

GMT 00:14 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

إيران تستقوي بدعم عسكري وتقني صيني ــ روسي

GMT 00:10 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

عصب الحياة المشلول في السودان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ



أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - السعودية اليوم

GMT 01:58 2017 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

جامعة صينية تربط فقدان الوزن بالحصول على الدرجات

GMT 04:16 2017 الخميس ,23 آذار/ مارس

حول العنف الجامعي

GMT 10:18 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"واتس آب" يكشف عن ميزة جديدة بسبب غضب مستخدميه

GMT 06:05 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

قضية عادلة!

GMT 15:35 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أمر ملكي بترقية وتعيين 176 قاضيا في وزارة العدل السعودية

GMT 11:54 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الواف لا يخاف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon