أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»

أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»

أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»

 السعودية اليوم -

أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»

عادل درويش
بقلم: عادل درويش

قالَ الزعيمُ البريطانيُّ الأسبقُ هارولد ويلسون إنَّ «أسبوعاً في السياسة يبدو دهراً». عبارة تعكس اليومَ حالَ كير ستارمر في حكومته.

هذا الأسبوع فقد داونينغ ستريت مديراً جديداً للاتصالات، وخسرَ ستارمر رئيسَ هيئةِ الموظفين، وغادرَ أعلى موظفٍ في الدولة، سكرتيرُ مجلس الوزراء. ثلاثة أعمدة جعلتِ الأسبوعَ دهراً.

تنفّس ستارمر الصعداءَ مع رفع البرلمان جلساتِه لعطلة منتصفِ الفصل، واتَّجه هو إلى ميونيخ لحضور مؤتمر الأمن. أسبوع كامل بعيداً عن جلسات المساءلة الأسبوعية؛ المسرحية الصاخبة التي تقف فيها القيادة عارية أمام النواب والرأي العام يوم الأربعاء، فكانت المداخلات أكثر حدّة، والتعليقات أكثر جرأة، والساسة الذين عُرفوا بنبرةٍ هادئةٍ نسبياً بدوا صقوراً يختبرون حدود صبره.

زعيم الديمقراطيين الأحرار لم يعد يكتفي بالاعتراض المهذب، ونواب من اسكوتلندا وويلز صعّدوا لهجتهم. كان هناك شيء أكثر خطورة: إحساس بأن هيبة المنصب لم تعد تردع أحداً. السلطة ليست مجرد بقاء في الكرسي؛ هي أيضاً حضور، وهيبة، واتجاه.

حزب «العمال» وصل إلى الحكم في يوليو (تموز) 2024 بأغلبية كبيرة. لكنها لم تُترجم إلى وضوح فكري جامع. معظم الناخبين صوّتوا لإنهاء حقبة المحافظين، لا لتبنّي مشروع محدد المعالم قدمه «العمال». وهناك فارق بين التصويت ضد خصم، والتصويت لاختيار برنامج محدد يظهر اليوم بوضوح.

المعضلة تكمن في الاتجاه. منذ أن كان زعيماً للمعارضة، لم يرتبط اسم ستارمر بمشروع سياسي فكري محدد، ولا بخطاب يوضح الاتجاه. توني بلير حمل مشروعاً سياسياً واضحاً. مارغريت ثاتشر مثّلت تحوّلاً اقتصادياً جذرياً. حتى بوريس جونسون -رغم ارتجاله الكوميدي- تحرك وفق غريزة يمكن قراءتها. أما ستارمر، فيبدو أحياناً أنه مدير مرحلة انتقالية أكثر منه قائد مرحلة جديدة.

حزب «العمال» خرج من سنوات مضطربة بين 2015 و2020 تحت قيادة جيريمي كوربن، اليساري الذي دفع الحزب بعيداً نحو مواقف أكثر تشدداً في الاقتصاد، والسياسة الخارجية. تلك السنوات لم تكن مجرد خلافات داخلية، بل أزمة هوية. انقسم الحزب بين قاعدة يسارية متحمسة، وناخبين وسطيين شعروا بالابتعاد. كان يفترض بستارمر أن يعيد رسم الخريطة الفكرية بوضوح، وأن يرمم الثقة عبر تعريف صريح لموقع الحزب في الوسط السياسي البريطاني. لكن منتقديه يقولون إنه اكتفى بالرهان على تعب الناخبين من المحافظين، من دون أن يملأ الفراغ برؤية متماسكة.

ويواجه اليوم مشهداً متجزئاً: حزب «الخضر» يستقطب جزءاً من الأصوات التقدمية. الديمقراطيون الأحرار يعيدون تثبيت أقدامهم في دوائر تقليدية. وحزب «ريفورم» يضغط من اليمين بخطاب احتجاجي حاد. لم يعد المشهد ثنائياً، بل شبكة من الضغوط المتقاطعة.

استطلاعات الرأي تعكس هذا الارتباك. شعبية ستارمر الشخصية لا تزال في المنطقة السلبية بوضوح، ما يجعله من أقل رؤساء الوزراء شعبية تقريباً منذ بدء ولايته. الأغلبية البرلمانية تمنحه أرقاماً مريحة، لكنها لا تمنحه بالضرورة ثقة شعبية مستقرة.

داخل الحزب، يبرز اسم وزير الصحة، ويز ستريتينغ. شاب واثق، وصاحب خطاب مباشر في ملف الخدمات الصحية، وهو الملف الأكثر حساسية في الوعي البريطاني. في قضية تعيين اللورد ماندلسون سفيراً في واشنطن، ومع لجوء البرلمان إلى آلية دستورية لإلزام الحكومة بتسليم الوثائق المتعلقة بالقرار، تحرك ستريتينغ بخطوة استباقية محسوبة، فنشر مراسلاته الخاصة مع ماندلسون، وقطع الطريق على خصومه. قرأ البعض تلك الخطوة بوصفها براعة سياسية، وربما بداية مسار قيادي طويل الأمد.

وفي غضون أسبوعين، ستجرى انتخابات فرعية في دائرة كانت تُعدّ حصناً تقليدياً لحزب «العمال». النتيجة لن تغيّر موازين البرلمان، لكنها ستُقرأ باعتبارها استفتاء مصغّراً على المزاج العام. أي تراجع ملموس سيُفسَّر على أنه إنذار.

ومن هنا تكتسب ميونيخ بعداً رمزياً. في عام 1938 عاد نيفيل تشامبرلين من هناك وهو يلوّح بورقة، ويعد بـ«السلام في زماننا». التاريخ لم يرحم تلك اللحظة. لا أحد يتوقع تكرار المشهد، لكن المفارقة حاضرة: حين يضيق الأفق في الداخل، تبدو الساحة الدولية أكثر دفئاً. في الخارج، يجد ستارمر قدراً من الاحترام البروتوكولي، والاعتراف الذي يفتقده تحت قبة وستمنستر. أصبحت الرحلات الخارجية ملاذاً متكرراً، مساحة يلتقط فيها القائد صوراً على المسرح الدولي، فيما تبقى الأسئلة العالقة في الداخل بلا إجابات واضحة. قد تمنح ميونيخ استراحة قصيرة. لكنها لن تمنح بوصلة، ولن تحسم سؤال الاتجاه.

رسم كاريكاتيري نشرته صحيفة «التايمز» يلخص الحالة، تظهر سيارة حكومية قديمة يدفعها نواب حزب «العمال» من الخلف صعوداً على طريق شاق. رئيس الوزراء يجلس في المقعد الخلفي، محاطاً بهدوء ظاهري.

المشهد لاذع في بساطته: الجميع يدفع، لكن مقعد القيادة خالٍ... ولا سائق في الأفق.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت» أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon