متحف «سوزان مبارك» للطفل

متحف «سوزان مبارك» للطفل

متحف «سوزان مبارك» للطفل

 السعودية اليوم -

متحف «سوزان مبارك» للطفل

دكتور زاهي حواس
بقلم - دكتور زاهي حواس

اتصل بى صديق منذ أيام، وأخبرنى أنه اصطحب أسرته لزيارة متحف الطفل، فاكتشف أنه يقف أمام صرح ثقافى وتعليمى عظيم، لا مثيل له فى الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد حدثنى صديقى بانبهار إن المتحف ليس مجرد مكان للترفيه، بل مدرسة مفتوحة تُعلّم الطفل وتفتح له نافذة للبحث، والاكتشاف. وأضاف أنه علم من العاملين هناك أننى شاركت فى تأسيس هذا المتحف، وشاهد فيديو لى أتحدث فيه عن الملك توت عنخ آمون، وأشرح للأطفال بأسلوب مبسط كيف تتم الحفائر الأثرية، وكيف يكتشف علماء الآثار أسرار الماضى. أجبت صديقى بأن الفضل الأول فى إنشاء هذا المتحف يعود إلى السيدة سوزان مبارك، التى كرست وقتها وجهدها وفكرها من أجل أن يرى هذا المشروع النور، ليصبح منارة علمية وثقافية وترفيهية للطفل المصرى. ولأن كثيرا من الناس والعائلات تصطحب أبناءها وتذهب إلى متحف الطفل وتتمتع بتجربة متحفية فريدة وغير مسبوقة وتعود دون أن تعرف البطل الحقيقى وراء هذا الإنجاز وجدت أن من واجبى أن أكتب كلمة حق يرد بها الفضل لأهله، خاصة أننى كنت شاهدًا على جميع مراحل التخطيط والتنفيذ.

فى البداية، كان هناك متحف قديم للطفل، لكنه لم يكن يعكس الطموح الذى كنا نحلم به. ومع بدء التفكير فى التطوير، تم الاستعانة بالمهندس الإنجليزى مايكل ماليسون لدراسة مشروع تحديث وتطوير متحف الطفل. إلا أن الرؤية انتهت إلى أن مصر تستحق متحفًا جديدًا بالكامل، بفكر معاصر ومحتوى تفاعلى متطور. فتم اتخاذ القرار الجرىء بهدم المبنى القديم والبدء من الصفر. وبالتعاون مع خبراء أهم متاحف الطفل فى الولايات المتحدة، وهو متحف إنديانابوليس، بدأنا فى دراسة تجاربهم وأفكارهم. وكانت الاجتماعات تمتد لساعات طويلة، نناقش كل تفصيلة: كيف يتحرك الطفل داخل القاعات؟ ماذا يرى أولًا؟ كيف نربط بين اللعب والمعرفة؟ وكانت السيدة سوزان مبارك تراجع سيناريو العرض بنفسها، تحذف وتضيف، وتعيد الصياغة بما يتناسب مع طبيعة الطفل المصرى، وهويته، وثقافته.

كانت رؤيتها تقوم على ثلاثية واضحة: الماضى، والحاضر، والمستقبل. أرادت أن يرى الطفل عظمة أجداده فى الحضارة المصرية القديمة وعبر كل مراحل التاريخ المصرى القديم، وأن يتعرف فى الوقت نفسه على إنجازات بلده الحديثة، وأن يحلم بمستقبل أفضل. لذلك شمل السيناريو أقسامًا تشرح الحضارة الفرعونية بأسلوب مبسط، وأخرى تعرّف بتاريخ مصر الحديث، وأقسامًا تفاعلية تُنمّى مهارات التفكير والإبداع. وقد تم تنفيذ هذا المشروع بالكامل دون أن تتحمل الخزانة العامة للدولة مليمًا واحدًا. تبرع رجل الأعمال سميح ساويرس بمبلغ مليون دولار، دون انتظار مقابل، بل وأصرّ على تسليم الشيك للسيدة سوزان مبارك شخصيًا. كما تولت الهيئة الهندسية تنفيذ أعمال البناء بأعلى معايير الجودة والانضباط. وكانت السيدة سوزان مبارك حريصة كل الحرص على تطبيق أعلى معايير الشفافية الكاملة من خلال إخضاع جميع التبرعات لمراقبة وزارة الشؤون الاجتماعية التى تقوم بالمراجعة والاعتماد. ولم يقتصر دورها على المتحف وحده. فعلى المستوى الاجتماعى والثقافى، تبنّت العديد من المبادرات التى أثرت فى المجتمع المصرى، مثل دعم حملات مكافحة ختان الإناث، والمشاركة فى جهود القضاء على شلل الأطفال، وتعزيز دور المرأة اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا. كما دعمت وزارة الثقافة فى إنشاء مكتبات عامة فى مختلف المحافظات، وأطلقت مشروع «القراءة للجميع»، الذى أتاح الكتاب من خلال مكتبة الأسرة بأسعار رمزية، وشجّع حركة الترجمة من نحو ثلاثين لغة إلى العربية. ووقفت خلف دعم مكتبة الإسكندرية، وأسهمت فى دعم مستشفى سرطان الأطفال، إلى جانب عدد من المشروعات الصحية والثقافية.

ومن المواقف التى تعكس تواضعها، أنه كان يوجد بالمتحف القديم تمثال شمعى لها. وعند إعادة بناء المتحف، اقترحنا أن توضع لوحة تشير إلى أن المتحف أُنشئ بجهودها وتبرعات المصريين. فوافقت فورًا على إزالة التمثال، والاكتفاء بلوحة تعريفية، فى موقف يدل على أنها لم تكن تسعى إلى تكريم شخصى، بل إلى خدمة فكرة ومشروع يخدم الوطن. وأذكر أيضًا أول لقاء جمعنى بها، حين طُلب منى إعداد كتاب عن المرأة المصرية القديمة يُقدَّم فى مؤتمر عالمى للمرأة فى الصين، يعرض مكانة المرأة المصرية فى العصر الفرعونى. كانت حريصة على أن يعرف العالم أن المرأة فى مصر القديمة تمتعت بحقوق ومكانة اجتماعية لم تنلها قريناتها فى حضارات أخرى. كانت السيدة سوزان مبارك تناقش معى التفاصيل بدقة، واهتمت بكل معلومة، لأنها كانت ترى أن صورة مصر فى الخارج مسؤولية كبيرة. وكانت بسيطة فى تعاملها، دقيقة فى متابعتها، تفكر دائمًا بعقل الأم التى تريد لأطفال بلدها أفضل تعليم وأفضل ثقافة. كانت تؤمن أن الطفل إذا عرف تاريخ بلده جيدًا، وفهم حضارته، سيكبر وهو يحمل شعورًا بالفخر والانتماء. بعد أحداث عام 2011، لم تشهد افتتاح المتحف رسميًا، لكن هذا الصرح يظل شاهدًا على جهدها وحبها للوطن. وعندما زارته لاحقًا، كان استقبال العاملين لها استقبال تقدير وحب وامتنان، لا مجاملة فيه، بل تعبيرًا عن اعترافهم بما قدمته. إن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات، بل بالحقائق. وأنا أكتب هذه الكلمات شهادةً لما رأيت بعينى من جهد وعمل متواصل فى مجالات الثقافة والتعليم والصحة. قد يختلف الناس فى السياسة، لكن العمل الاجتماعى والثقافى الذى يخدم المواطن يجب أن يُذكر ويُقدَّر. ولهذا أقول إن متحف الطفل سيبقى علامة مضيئة فى تاريخ العمل الثقافى فى مصر، ودليلًا على أن الإيمان بالطفل هو استثمار حقيقى فى المستقبل، وأن من يعمل بإخلاص من أجل مصر وأبنائها يستحق أن نوجه له كلمة تقدير تُكتب للتاريخ.

arabstoday

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

GMT 12:57 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

سعد والعوضي وإمام.. من هو «نمبر وان»؟

GMT 02:38 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

العودة إلى لبنان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

متحف «سوزان مبارك» للطفل متحف «سوزان مبارك» للطفل



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 18:02 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يفوز على ضيفه شبيبة القبائل الجزائري

GMT 19:54 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

9 فساتين زفاف دخلت التاريخ لجمالها وأناقتها

GMT 08:34 2021 الخميس ,11 شباط / فبراير

الذهب يسجل تراجعًا بفعل تعافي الدولار

GMT 09:57 2020 الخميس ,09 إبريل / نيسان

فيلم قصير يجمع أميتاب باتشان بنجوم بوليوود

GMT 14:30 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

النقّاز يكشف أسباب رحيله عن الزمالك وسبب البقاء في القاهرة

GMT 18:43 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

عرض أزياء فساتينُ زفاف تيمبرلي لندن لربيع 2020

GMT 09:48 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الفرج ضمن 5 نجوم أثاروا الإعجاب بفترة التوقف الدولية

GMT 08:05 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

أحمد عز يواصل تصوير الممر في السويس

GMT 09:37 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن السيارة النفاثة Bloodhound SSC بقوة +135 الف حصان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon