أزمة الثقة في السياسة البريطانية

أزمة الثقة في السياسة البريطانية

أزمة الثقة في السياسة البريطانية

 السعودية اليوم -

أزمة الثقة في السياسة البريطانية

عادل درويش
بقلم: عادل درويش

تبدو السياسة البريطانية اليوم متطلعة في مرآة مشروخة. اليمين متفكك ومنقسم حول تحمل مسؤولية الماضي القريب؛ بينما ينكمش اليسار من التنافس الداخلي وضبابية رؤية المستقبل. والنتيجة؟ ناخب مرتبك، وثقة تتآكل.

في معسكر اليمين، التوتر بين المحافظين وحزب «ريفورم» ليس انقساماً آيديولوجياً بقدر ما هو صراع على ملكية الفشل.

«ريفورم» يقدّم نفسه بوصفه حركة احتجاجية تصحيحية، نافدة الصبر إزاء التسويات. لكن معظم وجوهه المعروفة - باستثناء نايجل فاراج وريتشارد تايس - كانوا وزراء سابقين في حكومة المحافظين، يدينون اليوم سياسات كانوا ينفذونها، ويصوتون لها. وهذه إدانة أخلاقية وأيضاً إشكالية زمنية.

هل يمكن إقناع الناخب بأن الوجوه نفسها، بعد إعادة ترتيبها تحت راية جديدة، تكون قطيعة حقيقية مع الماضي؟

فإذا كان نقد «ريفورم» لحكومات المحافظين في محله، لا يمكن تحميل المسؤولية «للنظام» أو «للمؤسسة». الوزراء كانوا ضمن النظام وبقوا في مناصبهم.

كان هذا منطلق الهجوم الذي شنّته زعيمة المحافظين كيمي بادنوك على المنشقين من حزبها إلى «ريفورم»، واصفة دوافعهم بأنها شخصية أكثر منها مبدئية. قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تلامس جوهراً حقيقياً: المبادئ التي تُكتشف بعد مغادرة المنصب نادراً ما تقنع جمهوراً سئم إعادة تدوير السياسيين.

النتيجة تفكك قائم على التناقض. المحافظون يحذّرون من تشتيت «ريفورم» لأصوات اليمين لصالح حزب العمال. و«ريفورم» يرد بأن المحافظين بدّدوا الثقة ويستحقون الإزاحة. في كلتا الحجتين قدر من الصحة، لكنّ أياً منهما لا يحسم مسألة المحاسبة. وهكذا ينشغل اليمين بصراعاته حول الماضي، بدلاً من إقناع الناخبين برؤية للمستقبل.

أما في اليسار، فالمشكلة معكوسة.

حزب العمال الحاكم لا يعاني من كثرة الأصوات؛ بل من شدة السيطرة. في عهد زعيمه كير ستارمر، تحوّل الانضباط إلى أسلوب حكم. جرى تركيز قرارات الترشيح في المركز، وضُبط الخلاف الداخلي، وأُجّلت النقاشات الفكرية لصالح استقرار الخطاب. هذه المقاربة منحت ستارمر سلطة سريعة، لكنها بدأت تختبر حدودها الديمقراطية، لا سيما مع تراجع شعبيته وازدياد الحساسية تجاه أي منافسة قيادية محتملة.

نقطة الاشتعال كانت قرار اللجنة التنفيذية في حزب العمال منع آندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى، من خوض انتخابات فرعية لمقعد برلماني شاغر. التبرير الرسمي كان إجرائياً، لكنه لم يُقنع كثيرين سياسياً.

وبرنهام ليس مجرد مسؤول محلي أو اسم شعبي؛ فهو وزير سابق في حكومة العمال، ونائب برلماني أمضى 16 عاماً في وستمنستر، متمرّس في آليات البرلمان ولغته وأدواته. عودته المحتملة إلى مجلس العموم لا تمثل طموحاً شخصياً فحسب؛ بل تشكّل تحدّياً قيادياً حقيقياً لزعيم الحزب، وهو ما يفسّر مقدار القلق الذي أثاره داخل الدائرة الضيقة المحيطة بستارمر.

من هذه الزاوية، بدا منعه أقرب إلى احتواء استباقي منه إلى إدارة رشيدة للموارد.

رد الفعل كان لافتاً. أكثر من 50 نائباً عمالياً احتجوا علناً، معتبرين أن القرار يحرم الأعضاء والناخبين من حق الاختيار، ويقوّض الديمقراطية المحلية، ويخاطر بإبعاد الناشطين. لم يكن الخلاف حول سياسة عامة؛ بل حول آلية اتخاذ القرار، وهذا ما يجعله أخطر.

محاولة قيادة الحزب تصوير المسألة على أنها شأن إداري فحسب، زادت الشكوك؛ فالانتخابات هي جوهر العمل السياسي. والمفارقة أن الحزب أضاع فرصة طرح حجة أكثر إقناعاً، تقوم على احترام تفويض الناخبين في مانشستر الكبرى الذين انتخبوا برنهام لإكمال ولايته. كانت تلك حجة تستند إلى مبدأ ديمقراطي، حتى لو لم تُقنع الجميع.

بدلاً من ذلك، اختير طريق السيطرة، مما عزّز الانطباع بأن الاختيار الداخلي يُدار ولا يُترك للناخبين.

هذا المناخ يفتح الباب أمام قوى أخرى. حزب الخضر، مثلاً، يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه ضميراً ديمقراطياً لليسار، وملاذاً للناخبين الذين يشعرون بأن حزب العمال بات إدارياً أكثر من اللازم، ومتوجساً من الاختلاف الداخلي. حتى مكاسب انتخابية محدودة قد تحمل دلالة رمزية كبيرة. وعند النظر إلى المشهد كاملاً، يبرز تماثل لافت.

اليمين يضعف بسبب التناقض وتبادل الاتهام من دون محاسبة. واليسار يضيق بسبب الإفراط في التحكم وقلة الثقة بالمنافسة الديمقراطية.

كلا المسارين يقود إلى النتيجة نفسها. حين لا يرى الناخب وضوحاً في المسؤولية على اليمين، ولا انفتاحاً حقيقياً على اليسار، يتحول الشك إلى عزوف. وتبدو السياسة أقل فأقل ساحة أفكار، وأكثر فأكثر لعبة إدارة وإقصاء.

في النهاية، لا التفكك ولا السيطرة بديلان عن الثقة. الأحزاب التي تخشى ماضيها تعجز عن الإقناع، وتلك التي تخشى أعضاءها تعجز عن الإلهام. وفي الحالتين، يصل الناخب إلى خلاصة بسيطة: إذا كانوا لا يثقون بنا لنختار، فلماذا نثق بهم ليحكموا؟

arabstoday

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

GMT 12:57 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

سعد والعوضي وإمام.. من هو «نمبر وان»؟

GMT 02:38 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

العودة إلى لبنان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة الثقة في السياسة البريطانية أزمة الثقة في السياسة البريطانية



أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - السعودية اليوم

GMT 01:58 2017 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

جامعة صينية تربط فقدان الوزن بالحصول على الدرجات

GMT 04:16 2017 الخميس ,23 آذار/ مارس

حول العنف الجامعي

GMT 10:18 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"واتس آب" يكشف عن ميزة جديدة بسبب غضب مستخدميه

GMT 06:05 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

قضية عادلة!

GMT 15:35 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أمر ملكي بترقية وتعيين 176 قاضيا في وزارة العدل السعودية

GMT 11:54 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الواف لا يخاف

GMT 15:05 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

أشقاء في الفن

GMT 12:13 2018 الإثنين ,11 حزيران / يونيو

مهاتير يدعو لمراجعة اتفاقية عبر المحيط الهادئ

GMT 06:42 2018 الجمعة ,02 آذار/ مارس

اكتشفي أهم الحيل لمكياج الوجه الدائري
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon