نموذج للحضارة ولا بديل عنه

نموذج للحضارة ولا بديل عنه!

نموذج للحضارة ولا بديل عنه!

 السعودية اليوم -

نموذج للحضارة ولا بديل عنه

رضوان السيد
بقلم - رضوان السيد

كان الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير بالغ الروعة والبهاء، خصوصاً مع عشرات الوفود التي حضرت من الغرب كله لتستمتع بالموسيقى الغربية والرقص الغربي والمشهد الهائل لمباني المتحف المثلث، والدرج الهائل بالآثار والتحف على جانبيه، ويقف في وسط المشهد، وطليعته تمثال رمسيس الثاني الضخم ومن بعده تحف تشييع وقبر توت عنخ آمون الخمسة آلاف. شعار المتحف والحفل في كلام الرئيس السيسي الحضارة والسلام، وأنه لا حضارة من دون سلام. الدولة المصرية العريقة التي صنعت السلام هي التي صنعت هذه الحضارة التي يستمتع بها «العالم» الآن.

في مشهد الاحتفال الضخم تذكرت فوراً احتفال الخديو إسماعيل بافتتاح قناة السويس. كان مشهداً أوروبياً كبيراً، وعزفت فيه أوبرا عايدة. هو النموذج الحضاري نفسه الذي عُرض في افتتاح متحف، لكنه أكثر روعة وتنوعاً، وإن لم تكن فيه أوجيني ملكة فرنسا وزوجة نابليون الثالث!

في احتفال الخديو إسماعيل، ورغم الفنون الغربية، كانت لا تزال هناك آثار ومعالم من روح الشرق، بحسب التخيل الغربي. أما هذه المرة فالغربان (الكلاسيكي والحديث) كانا حاضرين حتى في الملابس الفرعونية.

الكلاسيكيات الجديدة الممثَّلة بالمتاحف الضخمة والفرق الأوبرالية منذ القرن السابع عشر كانت حاضرة لتمثّل حضارة السلام، حسبما اختار لها المصريون العنوان والنموذج بالخلفية الأوروبية الحضارية منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر. الأوروبيون مغرمون بالحضارتين المصرية والبابلية، وأكثر بعثات الآثار منهم قبل أن ينضمَّ إليهم الأميركيون واليابانيون. ولذلك جاء الاحتفال المتحفي ونموذجه احتفالات الأوروبيين والأميركيين واليابانيين في المناسبات المشابهة.

هي تقاليد عصر النهضة الأوروبية أو التي تطورت فيها وقد صارت نموذجاً لكلّ العالم. وقد تلاءم معها اليابانيون والهنود والكوريون، ويوشك أن يدخلها أو يتلاءم معها الصينيون. وقد عرض المصريون مشهداً يدلُّ على الإتقان واللمعان. إنما الفرق أنّ ثقافة الحضارة الجديدة عند هؤلاء جميعاً من دون شرق وغرب وآسيوي وأوروبي تُظهر احتضاناً شبه كامل، بينما لا تزال في ديارنا تشهد تمرداتٍ وحروباً كانت وطنية وسياسية واستراتيجية، لكنها صارت ثقافية وحضارية، كما توقع هنتنغتون في صدام الحضارات (1993 - 1996).

قبل قرنٍ ونصف شبَّه خير الدين التونسي «المدينة الأوروبايوية»، كما سماها بالسيل الذي لا يمكن دفعه، بل لا بد من الخوض فيه حتى لا نبقى على الأرض الجرداء.

الحروب حروب حداثة واستعمار، ودخلت عليها تجاذبات الهوية والثقافة التي تختزن عنفاً أيضاً. فلماذا وبعد مائة وخمسين عاماً من الاقتناع والتقليد لا يزال بعض شبابنا يشعرون بالغربة، مع أن الجانب الذي يجذبنا إليه الآن هو جانب الموسيقى والمتاحف والفنون والآثار وسائر مجالات جماليات الحياة؟! عندما كان جوزف ناي صاحب مصطلح «القوة الناعمة» يحاول إيضاح جاذبية أميركا فيما وراء الحرب وقوة الجيش، كان «الواقعيون» يهجمون عليه باعتباره واهماً(!). المصريون يقولون إن المتحف سيجتذب زيادة خمسة ملايين سائح، معظمهم من الغرب الأوروبي والأميركي ومن اليابان المستغربة(!). والاجتذاب إلى سحر مصر القديمة وليس مصر الجديدة. فماذا هو المستنكر في ذلك ومتاحف نيويورك وباريس واليونان وإيطاليا تجتذب مئات الملايين؟!

لقد سبق أن ذكّرتُ بكتاب طه حسين عن مستقبل الثقافة في مصر، التي يريد عميد الأدب العربي دفعها قديماً باتجاه اليونان وحديثاً باتجاه أوروبا، بيد أن قضايا الهوية والانتماء إذا داخلت الثقافة، بقصد التغيير فيها، فإنها تفضي إلى انقساماتٍ باتجاهاتٍ متضاربة تظلم كل الأطراف وتذكِّر بقول القرآن: « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».

إنّ قوة الثقافة الجديدة أو الأوروبايوية المتفوقة تظهر في أن لا بديل عنها. فأين هي الثقافة الأخرى أو حتى البديل الآخر الذي يعرض نموذجاً أو إرشاداً أكثر سلامة وسلاماً؟ وما عادت المشكلة في التقليد المفارق أو الطهورية التاريخية؛ بل أيضاً في الثقافة الحاملة على الكولونيالية القديمة والمستمرة فكراً وعملاً. والنزعة الكولونيالية هذه تلعن الغرب التنويري واليميني على حدٍ سواء، بحجة التآمر على العالم، خصوصاً على الإسلام(!). وإنه ليبلغ من سوء حظنا أننا لسنا بحاجة إلى تآمر الآخرين، ما دام «دود الخل منه وفيه»، كما يُقال.

مصر الحديثة تستفيد من مصر القديمة في المعنويات وفي المصالح. لكنّ هذا الأمر لا تستفيد منه مصر وحسب؛ بل هو الذي يجلب عشرات الملايين إلى أوروبا أيضاً، ولو تمتعت أفريقيا ببعض الاستقرار لكان للتراث الأفريقي نصيب من الاهتمام. وإن ذكر كثيرون أنّ للسياحة الكثيفة سلبياتها أيضاً!

هي رؤية للعالم ونظامٌ للعيش ما عاد يمكن تجاهله أو التمرد عليه. قد تكون هناك وجوهٌ للغلوّ، لكنها وجوهٌ وحسب، وقد ثبت «الموديل» والحكم في تجربة النجاح.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نموذج للحضارة ولا بديل عنه نموذج للحضارة ولا بديل عنه



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 01:34 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل
 السعودية اليوم - إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon