السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ

السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ

السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ

 السعودية اليوم -

السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

إذا كان المفكر أندريه مالرو هو أول وزير ثقافة لفرنسا (1959–1969)، ومن أرسى وزنها الفكري والجمالي في عهد الرئيس شارل ديغول، فإن جاك لانغ هو المؤسس الثاني، وصاحب الرؤية الثقافية المبهرة التي جعلت من عهد فرانسوا ميتران يرتبط بإنجازات معمارية وإصلاحات، وضعت المسرح والسينما والموسيقى والمتاحف والكتب في متناول الجميع وهو يقربها من المذاق العام.

جاك لانغ بالنسبة لمن عايش ثمانينات وتسعينات القرن الماضي (الذهبي الفرنسي) هو أقرب إلى أسطورة من الإنجازات الفريدة، التي غيّرت وجه باريس وفرنسا كلها، وضخت في الفرانكوفونية حيوية دفاقة، قبل أن يهوي الرجل من عليائه إلى قاع سحيق، لم يكن لعاقل أن يتصوره.

لا أحد ينكر أن أهرامات اللوفر الزجاجية الجميلة التي دعمها لانغ، رغم ضجيج المحافظين الاعتراضي المرافق لإنشائها، صارت معلماً باريسياً لا يفوت. المكتبة الوطنية بمبناها الساحر وخدماتها الحديثة تحولت واحدة من كبرى مكتبات العالم. عيد الموسيقى الذي أرسى دعائمه بات موعداً سنوياً لعواصم الدنيا، وشوارعها مع النغم والابتهاج. وهو أيضاً من أطلق مبادرة فتح المتاحف مساءً في بعض الأيام مجاناً، لتتاح للعمال والطلاب. لانغ دفع بقوانين أبقت السينما الفرنسية صامدة أمام هجوم هوليوود، بفضل سن ضرائب على شباك التذاكر، وتمويلات إنتاجية سخية. وهو مَن وضع لمساته وبركاته على الفنون، ونظّر لها بوصفها حقّاً لكل مواطن، وسعى لجعلها كذلك.

إن عددنا إنجازات جاك لانغ لما انتهينا. فقد بقي نحو 10 سنوات وزيراً للثقافة لم يهدأ خلالها، ومثلها وزيراً للتعليم، ودائماً في مناصب عامة مرموقة، إما رئيساً لبلدية، وإما نائباً في البرلمان، وإما مشرفاً على مهرجان مسرحي، وفي آخر مهماته كان رئيساً لـ«معهد العالم العربي» لفترة قياسية استمرت 13 سنة، وبقي يسعى لتمديدها، مع أنه بلغ السادسة والثمانين. موقع استقال منه مؤخراً إثر فضائح «إبستين»، التي ذُكر اسمه فيها أكثر من 600 مرة، ما فتح عليه وعلى ابنته المتورطة أبواب الجحيم، وكشف عن ماضٍ يؤكد أن بعض الوجوه المشرقة والمهابة ليست سوى قناع لحياة لا قاع لظلاميتها.

لم يعد ما فعله لانغ في «جزيرة الشياطين» هو ما يهم الفرنسيين، وإنما كمّ ممارساته الصادمة، أثناء توليه المناصب، والأدهى هو الصمت الذي أحيطت به هذه المسلكيات الغرائبية، وترقيه المستمر، رغم كثرة العالمين بأمره، بدل أن يحاسب أو يعزل.

يبدو أن الرجل كان يعيش طفيلياً على حساب الآخرين، حتى القهوة التي يشربها يترك لغيره أن يدفعها. بعد دعوة لليدي ديانا والأمير تشارلز ذات زيارة لفرنسا، على مأدبة عليها ما لذّ وطاب، حوّل الفاتورة إلى البلدية التي كان يرأسها. بعض هذه المبالغ لم تدفع مطلقاً. ويوم انتهت مهمته من البلدية، حمل معه الأثاث الثمين الذي كان يجلس عليه إلى منزله، وترك لخلفه المكان فارغاً. لانغ الأنيق اقتنى بدلات من محل واحد بنصف مليون دولار من دون أن يسددها. وفي مهرجان «كان» لشدة ما كان ضيفاً ثقيلاً، يطلب دائماً المزيد من النفقات والمصاريف، اعتبر شخصاً غير مرغوب فيه. هذا غير الاتهامات المُكالة له بالاعتداء على قصّر من الجنسين، وهذا سابق على «إبستين» ومصائبه، سياسي يميني، ذهب أبعد من ذلك، واتهمه بالتحرش بأطفال معاقين.

تبين أن الرجل الذي تمكَّن من رفع ميزانية الثقافة من 2 مليار إلى ما يقارب 14 مليار فرنك فرنسي، خلال عهوده المتوالية على وزارتها، أنفق ببذخ غير مسبوق على المشروعات المبهرة، لكنه بقي طوال 40 سنة يجير فواتيره لتدفع من المال العام، أو من جيوب مساعديه، رغم أنه يتقاضى أضعاف رواتبهم.

فضائح من كل صنف، لرجل سياسي رفيع كان يفترض أن يُكلل ويشرّف من مواطنيه، ويوضع في مصاف العظماء، لو بقيت الستائر المخملية مسدلة على سلوكياته التي أذهلت الفرنسيين.

فمع مطلع العام الماضي، وبينما كان في طريقه إلى أوبرا غارنيه مع زوجته، حاصرته مجموعة من الشبان وضربوه وألقوه أرضاً، متهمين إياه بالتحرش بالأطفال. اعتبر لانغ وقتها أنه ضحية التشهير بسمعته.

كل هذا بقي مجرد اتهامات لا تحقيقات ولا عقاب. وحتى بعد نشر الإيميلات الشهيرة، خرج جاك لانغ ليؤكد أنه «نقي كالثلج». وبينما كان مكتبه في «معهد العالم العربي» يتعرض للتفتيش بعد التهم المتراكمة التي طالته، بقي متماسكاً، ونظّم حفلاً وداعياً لموظفي المعهد، في نرجسية مذهلة، وهو يجمعهم حوله، وكأنه يغادر بكامل عنفوانه. لكن ما لا بد من ذكره أن هذا الحفل أضاف إلى فواتيره غير المدفوعة 22 ألف يورو لا بد للمعهد الممول من دافعي الضرائب أن يسددها.

تصلح حكاية لانغ أن تصبح فيلماً مشوقاً، يظن متفرجه أنه طالع من خيال كاتب مجنح. لكن الواقع بات يفوق توقعاتنا، ويسبقنا إلى أماكن لم نكن لنتصورها ولا في الكوابيس.

arabstoday

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

GMT 12:57 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

سعد والعوضي وإمام.. من هو «نمبر وان»؟

GMT 02:38 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

العودة إلى لبنان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ السقوط المدوّي لأسطورة جاك لانغ



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - السعودية اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 02:00 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

تناولي ملعقة من القرفة والترمس والحلبة لتفقدي وزنك

GMT 10:29 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تامر أمين يطلب طلبًا غريبًا من عادل إمام

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

نصائح لتكثيف الحواجب للتمتع بإطلالة أنيقة تعرفي عليها

GMT 10:11 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الإثنين 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 17:46 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب الهلال يجهز الفريق لمواجهة الوحدة الأحد المقبل

GMT 03:14 2017 الإثنين ,26 حزيران / يونيو

بليبل يؤكد أن "أرباب العمل" يحظى بأهمية استثنائية

GMT 15:07 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

طالب جامعي في أوهايو يغتصب امرأة فاقدة الوعي

GMT 05:40 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

حالة الطقس المتوقعة الثلاثاء في السعودية

GMT 21:01 2017 الجمعة ,06 تشرين الأول / أكتوبر

القوات الحكومية السورية تُطرد "داعش" من ريف حمص الشرقي

GMT 02:37 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

السعودية تشارك في الاحتفال باليوم العالمي للإيدز

GMT 04:10 2015 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

توسيع منطقة السركال أفنيو للفنون في دبي

GMT 10:01 2017 السبت ,19 آب / أغسطس

فوائد مذهلة وعظيمه لقشر المانجو

GMT 03:47 2016 السبت ,13 شباط / فبراير

افتتاح معرض للتطريز البرازيلي في جدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon